2014/05/27

السؤال:

السلام عليكم سيّدي ورحمة الله وبركاته

اللهمّ يا نور السموات والأرض زد حضرة شيخنا نورا وأعظم له النور يا كريم واحفظه لنا يا الله وأكرمه ومحبيه بالكرم اللائق بذاتك الأقدس تباركت ربّنا وتعاليت وتقدست.

سيّدي من بعد إذنكم سؤالي عن آيتين كريمتين تختص بذكر الله عزّ وجلّ، الأولى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، والثانية {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}

سيّدي بحثت عن معنى الوجل ووجدت أنه الخوف أو الفزع ومن أضداده هو الاطمئنان والأمان وبالآيتين الكريمتين ارتبط الذكر مع القلب وسؤالي سيّدي:- كيف يجتمع الوجل والاطمئنان في القلب؟ أم هي مقامات وأحوال؟

مع اعتذاري سيّدي على الإطالة.

وصلى الله وسلم على حضرة سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه والسائرين على نهجه أجمعين.

الاسم: محمد

 

الرد:

    وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك كثيرا على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، ودعائك الطيّب، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك وجميع المسلمين كلّ خير ويجعلك وإياهم ممّن يجدّون له السير برحمته إنّه سبحانه سميع مجيب.

وبعد:

    كلمة الوجل تعني الفزع في إحدى معانيها، وفي قوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [سورة الأنفال/الآية2]، تأتي بمعنى رقّت استعظاما وهيبة، وهذه صفة المؤمن الحق الذي إذا ذُكِر اللهُ تعالى وَجِلَ قلبُهُ فاضطرب واهتزّ وتحرّك لذكره عزّ وجلّ حتى اطمئن وسكن كما قال تعالى {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [سورة الرعد/الآية28]. وبذا فالآيتان تكمّل كلاهما الأخرى، ولا إشكال فيها، وقد جمع المعنيين قوله تعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [سورة الزمر/الآية/23]. وقال بعض العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في قوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}:‏ هو الرجل يريد أنْ يظلم، أو يهمّ بمعصية، فيقال له‏:‏ اتق اللّه فيجلّ قلبه، وسأل رجلٌ الإمامَ الحسن رضي الله تعالى عنه – فقال: أمؤمن أنت؟ فقال: إنْ كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا بها مؤمن، وإنْ كنت تسألني عن قوله { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }، فلا أدري أمنهم أنا أم لا؟ ويصدق في الآيتين أنّه إذا ذُكر الله عزّ وجلّ بصفات الجلال والقهر والجبروت، وجلت القلوب، وإذا ذُكر بصفات الجمال والرحمة اطمأنت القلوب. وكذا تصدق آية الوجل على مَنْ قصّر في حق الله جلّ جلاله وعمّ نواله؛ فحين يُذكر الله تعالى كان حقا عليه أنْ يوجل ويضطرب، أما مَنْ بذل جهده ليكون مستقيما والتزم بما عليه مِنْ واجبات صدقت عليه آية الاطمئنان، والوضع الطبيعي أنّ المسلم يخاف إذا أخطأ ويطمئن إذا أحسن. وتفهم الآيتين المباركتين ضمن سياقها مِنَ الآيات المباركات، مع معرفة سبب النزول؛ فآية الوجل نزلت بسبب اختلاف بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم في مسألة الأنفال والغنائم يوم بدر؛ فذِكرُ عظمة وجلال الله تعالى يناسب الحال، فمِنْ مقتضيات جلال وعظمة الله عزّ وجلّ الالتزام بأمره وإلا فإنّ الله تعالى أعدّ للمخالفين أشدّ العذاب؛ فناسب هنا ذكر الوجل والتخويف، أما آية الاطمئنان في سورة الرعد فإنّ ذكر الطمأنينة يناسب وصف المؤمنين في الآيات التي قبلها، قال عز مِنْ قائل {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [سورة الرعد/الآيات21ـ23]؛ فكان الغالب في الذكر هنا الرحمة واللطف لِمَنْ أطاع وأناب فذَكَر اللهَ تعالى حتى نال مقام الاطمئنان بذكره وقربه جلّ جلاله وعمّ نواله.

وسبحانه أحكم وأعلم.