2014/05/30

السؤال: السلام عليكم سيّدي ورحمة الله تعالى وبركاته وأدامكم وأيّدكم وَبَارِكْ في عُمُرِكم وعملكم / سيّدي بماذا ننصح الشاب المتزوج الذي يفضّل زوجته على أمّه بحجة أنّها أمانة عندي أو بالعكس وهي قلة كأن يفضل أمّه على زوجته وهي ظاهرة في ازدياد في أيامنا هذه وجزاكم الله تعالى كلّ خير.

الاسم: طلعت حميد

 

الرد:

    وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله جلّ وعلا خيرا على دعائك ولك بمثله.

    إنَّ دين الإسلام هو دين الموازنة والوسطية والاعتدال الذي يُبتَغَى به رضى الله تبارك وتعالى، وإنَّ الشرع الشريف اهتم بذلك اهتماما كبيرا في برّ الوالدين والإحسان لهما والقيام بحقوقهما كاملة قدر المستطاع وخصوصا الأمّ، قال الحقّ تبارك اسمه {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء/23]، وقال سبحانه {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان عليه السلام 14/15]، فمكانة الوالدين عظيمة حيث قرن الله جلّ جلاله وعمّ نواله الإحسان لهما وبرّهما بعبادته وطاعته. وجاءت السنّة المطهّرة لتؤكّد هذا البرّ، فعن سيّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا، كيف لا وهي التي حملت ووضعت وأرضعت وسهرت.

    وكما أنّ الشرع الشريف ضمن للوالدين حقوقهم، فكذلك بالنسبة لحقوق الزوجة، قال عزّ شأنه {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وقال {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6]، وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه، وقد أوصى بها فقال (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، إِنَّ لَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ: فَلَا يُوَطِّئَنَّ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى.

    والمتأمل في هذه النصوص الكريمة وغيرها يجد أنّ الشرع الشريف أعطى للأمّ حقّها، وللزوجة حقّها، ومن الخطأ الخلط بينهما، ولكنّ الحقيقة المؤلمة التي أقضّت هدوء البيوت وأذهبت دِفْئَها وسَكَنَهَا أنّ الكثير من المسلمين يعيشون حالة من التشتت الأسري وذلك بسبب ابتعادهم عن منهج الشرع الشريف، فالمفروض أنْ تتعامل الزوجة مع أمّ زوجها كأنّها أمّها، وبالمقابل الأمّ تتعامل مع زوجة ابنها كأنّها ابنتها، ولكنّ هذه الصورة الراقية في التعامل والتي تجسّد حضارة الإسلام مفقودة في زماننا غالبا ممّا أدّى إلى حصول مثل هذه الحساسية والمشاكل الأسرية. والواجب الذي ألقي على عاتق الابن بالإضافة إلى واجباته الأخرى هو: السعي للتوفيق بين الأمّ والزوجة، وإيجاد فرص التقارب بينهما، وهذا يفرض عليه التحلّي بالحكمة والموعظة الحسنة. سُئل الإمام النووي رحمه الله سبحانه فقيل: (إِنسان له زوجةٌ وأمٌ، هل له تفضيل الزوجة على الأمّ في النفقة وغيرها من المؤن والكسوة؟ وهل يأثم بذلك؟ فقال: لا يأثم بذلك إِذا قام بكفاية الأمّ إِنْ كانت ممّن يلزمه كفايتُها بالمعروف؛ لكنَّ الأفضل أنْ يستطيب قلب الأمّ، وأنْ يفضّلها، وإنْ كان لا بدّ من ترجيح الزوجة فينبغي له أنْ يخفيه عن الأمّ) فتاوى الإمام النووي رحمه الله تعالى (ص: 212).

والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.