2014/06/28
السؤال:
سيّدي حضرة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حفظكم الله وبارك لنا في عمركم وأسأله تعالى أن ينفعنا ويرفعنا بحبكم في الدنيا والآخرة، سيّدي الحبيب: طاعة الوالدين عبادة عظيمة تتابعت وحثت عليها الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة ولكن هناك بعض المسائل التي وددت معرفة حكم مخالفة الوالدين بها مع المصاحبة بالمعروف طبعا مثل مسألة الزواج والطلاق فما هي صحّة الرواية الموجودة في كتب السير والأحاديث من أنّ سيّدنا إبراهيم عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام أمر سيّدنا إسماعيل عليه السلام بأنْ يغيّر عتبة بابه وأن يثبتها كناية عن طلاق زوجته الأولى وتثبيت الثانية، وهل تعتبر هذه الحادثة بمثابة حكم شرعي على المسلمين؟ كذلك بعض الروايات التي تذكر بأنّ سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أمر أحد أبنائه بأنْ يطلّق زوجته هل المسألة مقيّدة أم عامّة؟ وما هو موقف الأبناء في هكذا حالات؟
أرجو من حضرتكم توضيح المسألة، وجزاكم الله تعالى خير الجزاء، ونسألكم الدعاء سيّدي، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
خادمكم محمد الخالدي
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الصادقة، وأساله جلّ وعلا لكم ولجميع الأحباب دوام التوفيق والترقي المادي والروحي، وبعد:-
لا شكّ أنّ الزواج ميثاق غليظ، ورباط مقدّس؛ قال الله تعالى وتقدّس:-
{— وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [سورة النساء: 21].
وقال حضرة النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم:-
(فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ وجلّ.
وعليه فإنّ فكّ هذا الرباط بالطلاق يحتاج إلى تريّث وتفكير عميق؛ لما قد يترتب على هذا الأمر من التعدِّي والظلم:-
(فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وإنّ منهج الشريعة الإسلامية الغرّاء مبنيّ على التريّث في التشريع بشكل عام، وفي قضايا الطلاق بشكل خاص، فلا بُدّ من مراعاة الشروط والضوابط اللازمة لوقوع الطلاق، وإلّا وقع الفرد والمجتمع في دائرة الظلم والتفكك والانهيار، وتفصيل تلك الضوابط والشروط موجود في مضانّ كتب الفقه المعروفة.
والطلاق من غير سببٍ حرامٌ في الشريعة الغرّاء، لما فيه مِنْ ضرر فادح، ففيه هدر لنعمة الزوجية اللطيفة، وبه تتعرّض الأسرة والأولاد لفتنة الضياع والتشتت، وربما الانحراف الخُلقي، ومِنْ هنا جاء الوعيد الشديد للمرأة التي تسأل الطلاق مِنْ غير بأس، وبالطبع ينطبق هذا الوعيد على الزوج الذي يُطلّق زوجته مِنْ غير سبب مُعتبر شرعًا لتساوي الحالتين بنفس العلّة؛ قال سيّدنا البشير النذير عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وسلام مِنَ الله العليّ الكبير:-
(أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.
أمّا الأحاديث الشريفة التي ذكرتَهَا فهي صحيحة تمامًا، فرواية سيّدنا إبراهيم وابنه سيّدنا إسماعيل عليهما وعلى نبيّنا الأعظم، وسائر الأنبياء أفضل الصلاة والسلام وآلهم وصحبهم الكرام، رواها الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه، ووجه الدلالة في هذا الخبر جليٌّ، حيث أمر الأب ابنه بالطلاق، وامتثل الابن؛ ولو لم يكن الأمر في هذه الحالة بالخصوص مِنْ باب الوجوب، فهو مِنْ باب البرّ والطاعة على أقلّ تقدير؛ وذلك لما رآه سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بنظره النبويّ الكريم مِنَ المصلحة الراجحة في الطلاق، وهذا ممّا يحتجّ به مِنْ شَرع مَنْ قبلنا لما جاء في شرعِنا الحنيف مقرِّرًا له كحديث سيّدنا عمر بن الخطاب، وطلاق ولده سيّدنا عبد الله رضي الله تعالى عنهما، فقد رواه الأئمة أحمد والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه رحمهم الله جلّ جلاله.
وكذا الرواية المباركة عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله تعالى عنهما:-
(أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ لِيَ امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوْ احْفَظْهُ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ شأنه.
وفي رواية أخرى لم يُجزَم فيها بأنّ أمَّه هي التي أمرته بالتطليق، بل قال:-
(إِنَّ رَجُلًا أَمَرَهُ أَبُوْهُ أَوْ أُمُّهُ) الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى.
ولا شكّ أيضًا أنّ الوالدين هما أحقّ الناس بالبرّ والطاعة والإحسان والمعاملة الحسنة، وقد قرن الله سبحانه الأمر بالإحسان إليهما بعبادته حيث قال:-
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا —} [سورة الإسراء: 23].
وطاعة الوالدين واجبة على الولد فيما فيه نفعهما ولا ضرر فيه على الولد، أمّا ما لا منفعة لهما فيه، أو ما فيه مضرّة على الولد كمعصية أو ظلم فإنّه لا يجب عليه طاعتهما حينئذ، لقول الرحمة المهداة صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-
(لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.
وهذا ما أقرّه العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم كما هو واضح في النصّ الآتي:-
(وَيَلْزَمُ الْإِنْسَانَ طَاعَةُ وَالِدِيهِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ… وَهَذَا فِيمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُمَا وَلَا ضَرَرَ) الفتاوى الكبرى للشيخ ابن تيمية رحمه رب البرية جلّ جلاله (5/381).
كما (وَسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ وَلَهُ أَوْلَادٌ وَوَالِدَتُهُ تَكْرَهُ الزَّوْجَةَ وَتُشِيرُ عَلَيْهِ بِطَلَاقِهَا هَلْ يَجُوزُ لَهُ طَلَاقُهَا؟ فَأَجَابَ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِقَوْلِ أُمِّهِ ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَبَرَّ أُمَّهُ وَلَيْسَ تَطْلِيقُ امْرَأَتِهِ مِنْ بَرِّهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) مجموع فتاوى (33/112).
وعليه؛ فطاعة الأب والأمّ في هذا الأمر واجبة ما لم يكن ذلك لغرضٍ دنيويٍ أو حاجةٍ في النفسِ، فإنْ وُجِدَ الغَرَض آلت المسألة إلى إيقاع الظلم بالزوجة، وهو محرّم، ولا طاعة فيه لأحدٍ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولكن الطاعة في المعروف؛ كذا الحال بالنسبة للأمّ فقد يعتريها بعض التجنّي، أو شيءٌ من حظ النفس على زوجة ابنها لما يُتصّوَّر من وقوع الغيرة بينهما، فبعض الأمهات إذا رأت الولد يحبّ زوجته غارت جدًّا حتّى تكون زوجة ابنها كأنّها ضرّة لها، نسأل الله تعالى العافية.
وعلى الابن أنْ يداري والديه ويتألّفهما ويقنعهما بالكلام الليّن حتّى يقتنعا ببقائها عنده، سيما إذا كانت الزوجة مستقيمة في دينها وخُلقها، وعلى وجه الخصوص عليه أنْ يبرَّ أمّه ويصلها بزيارتها، والتلطف معها، والإنفاق عليها، ومواساتها بما تحتاجه وينشرح به صدرها، ويرضيها بما يقوى عليه سوى طلاق زوجته؛ وذلك لمزيد عناية بها استجابة للشرع الشريف لما رواه سيّدنا أَبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ:-
(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
وعليه لا تجب طاعة الوالدين في طلاق الزوجة الصالحة الملتزمة بحقوق الزوجية وما يتعلّق بها ممّا هو معروف شَرعًا وعُرفًا، ولا يعتبر هذا من العقوق لهما، ولكن ينبغي أنْ يكون رفض الابن للطلاق بتلطّف ولين في القول والتصرّف على نحو عام لقول الله جلّ في علاه:-
{فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} [سورة الإسراء: 23].
وينبغي على الوالد أنْ يبيّن لولده السبب أو الأسباب الشرعية التي تقتضي طلاق الزوجة، ويوافقه بذلك أهلُ العدالة والعقل الراجح مِنْ بعض الأقارب أو المعارف، ففي مثل هذا الحال يستجيب الولد لأمر والده ويطلقها؛ لأنّه لم يأمره بذلك لهوى في نفسه، أو لغرض دنيويّ، بل لما فيه مِنْ دفع مفسدة أو جلب مصلحة راجحة، وهذه هي الحكمة المُرادة مِنْ جميع الأحكام التي جاءت بها الشريعة الغرّاء.
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله سبحانه عن هذه المسألة بعينها، حيث جاءه رجل فقال له:-
(إنَّ أَبِي يَأْمُرُنِي أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي قَالَ: لَا تُطَلِّقْهَا قَالَ: أَلَيْسَ عُمَرُ أَمَرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ قَالَ حَتَّى يَكُونَ أَبُوك مِثْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/447).
فلا بُدَّ للأبناء من بِرّ الآباء، ولا بُدَّ للآباء من تقوى الله تعالى فيما يأمرون به أبناءهم، فلا يأمرون بمنكر ولا يحرِّضون على مَظلمةٍ، وليحذَر الآمر والمؤتمِر مِنْ تعدّي حدود الله جلّ ذكره القائل:-
{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [سورة الطلاق: 1].
أسأل الله الكريم أنْ يوفق الجميع لذلك، إنّه سبحانه وليّ ذلك والقادر عليه.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.