2014/07/20

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. سيدي حضرة الشيخ زادكم الله تعالى من فضله وحفظكم من كل سوء: ما قول الشرع الحنيف في أن تكون للمسلمين مرجعية دينية تعينهم على الاختيار الصحيح خصوصا في زمن الفتنة هذا. ولكم جزيل الشكر ووافر الاحترام

 

الاسم: سؤدد

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الباريء عز وجل كل خير على دعآئك المخلص ولك بمثله.

لا شك أن ديننا العظيم قد حث تصريحا وتلميحاً إلى وحدة الصف واتخاذ القدوة أو المرجع، إبتدآء من تعظيم فضل صلاة الجماعة وضرورة الإقتدآء بالإمام وإنتهآء بالتأكيد على لزوم الجماعة وطاعة ولي الأمر.

قال الله تبارك وتعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ…} آل عمران –عليهم السلام- 103، وقال سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) متفق عليه.

وقد بين ربنا عز وحل ضرورة الرجوع إلى أولي الأمر في مسآئل الدين وكذلك في مسآئل الحكم والسياسة، من ذلك قوله سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} النسآء 59، وقوله عز وجل {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} النسآء 83.

ومن هذا تتبين لنا أهمية وجود مرجعية شرعية للمسلمين سوآء في مدينة واحدة أو بلد معين أو لعامة المسلمين تبعاً لأهمية الموضوع المطروح وشمول أثره على فئة من المسلمين، تتكون من كان الإجماع عليهم أو يكاد علماً وورعاً وابتعاداً عن التحزب لفئة أو جهة أو دولة.

وهذا الأمر ليس بدعاً في حياة المسلمين بل كان في صدر الرسالة بعد إنتقال حضرة النبي عليه الصلاة والتسليم إلى الرفيق الأعلى، فقد كان هناك من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من عرفوا  بأهل الفتيا، يرجع إليهم باقي المسلمين بمن فيهم أولو الأمر في مسآئل الشرع الشريف خاصة فيما تستجد من أحداث وتمر من محن وأزمات.

وتنظيمها في الوقت الحاضر بمسمىَ ونظامٍ خاص أو قانون يحكم آلياتها ضروري كحال تنظيمنا لشؤون الإمامة في المساجد والقضآء الشرعي وعقود الزواج فكل ذلك أصبح ضرورياً في حياتنا الحالية.

فما أحوجنا اليوم إلى هذه المرجعية التي توجه عقول وآرآء المسلمين وتوحد جهودهم وتكون سبباً لوحدتهم لا لتفرقتهم مع التأكيد على أن لا تكون تقليداً للآخرين بما في ذلك عدم إضفآء القدسية التي تقترب من العصمة والعزلة عن حياة الناس وواقعهم وسماع الرأي المخالف الذي فيه أوجه الصحة والقبول، ولا يمكن قبول الإعتراض على هذه الخطوة بحجة أنها تقليد للآخرين فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها والمصطلحات قد تكون متطابقة المعنى وقد لا تكون، فقد أمرنا الله تبارك وتعالى بالصوم مع التذكير بأنه كان لمن سبقنا في قوله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة 183، وعبارة المرجعية ومعناها ومشتقاتها موجودة في النصوص الشريفة كقوله تعالى {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُور} البقرة 210.

وإذا نحن أثبتنا مبدأ الإرشاد الروحي والفقهي للمسلم فلا بد أن نقرّ ضمناً بمرجعيته إلى مرشده الروحي واسترشاده به  كما دلّ كل ما كتب وقيل عن هذا الموضوع عبر مئات السنين، فلا مكان للحساسيات التي لا يدعمها شرع أو عرف أمام حاجة المسلمين الملحّة والضرورية لإيجاد مثابة يلجؤون إليها في حال الرخآء والشدّة كما بينت سابقاً.

والله سبحانه وتعالى أعلم.