2014/07/30
السؤال:
السلام عليكم سيدي الكريم..سمعت حديثاً عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما معناه.. إن الله تعالى قسم الأخلاق كما قسم الأرزاق..هل هذا يعني إننا مهما حاولنا تقويم أنفسنا وأبنائنا من ناحية الأخلاق ستظل كما هي لأنها قسمت أم كيف نوفق بين الحديث وجهادنا لأنفسنا في التحلي بالأخلاق الحسنة..ارجو منك إيضاح الأمر فإنه استشكل عليّ، وجزاك الله تعالى خيرا وارجو من حضرتكم الدعاء لي ولأسرتي..بارك الله تعالى فيكم.
الاسم: ام اواب
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وفيك بارك الله تعالى وجزاك خيراً ووفقك لما يحب ويرضى سبحانه.
الحديث الشريف المقصود هو (إن الله سبحانه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه) الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقد ضرب الحديث الشريف للرزق مثلاً فمع إن الرزق مقسوم بين الناس ولكنه يحتاج إلى سعي المخلوق كما قال الرزّاق سبحانه {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} الملك 15.
فكذلك الأخلاق تحتاج إلى سعي العبد لتحسينها وتهذيبها سوآء في تربية الإنسان لنفسه وتهذيبها أو تربيته للآخرين حسب موقعه ومسؤوليته، ليتحقق مكتوب الله عز وجل في هذا الإنسان كما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (أجملوا في طلب الدنيا فإن كُلّاً مُيسّرٌ لما خلق له) الإمامان إبن ماجة والحاكم رحمهما الله تعالى.
ومعرفة أن الأخلاق والأرزاق مكتوبة وموزعة من عند الله تبارك وتعالى فيه تعريف وإفهام للبشر بأن المتفضل أولاً وأخيراً هو خالقهم جل وعلا فلا يتّكلون على أفعالهم مع إنهم مطالبون بها.
فكم من رجل صالح أفنى عمره في تربية ولده فلم تثمر في الدنيا شيئاً بل ربما انحرف إلى جادّة مغايرة، وكم من عآئلة فاسدة خرج منها صالحون أفادوا الآخرين، يصدق فيهم قول الله تعالى {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ} الروم 19، وفي قصص الأنبيآء عليهم الصلاة والسلام التي أوردها القرآن العظيم خير تعبير، فهذا سيدنا نوح عليه السلام أطاعه بعض النّاس ولم يطعه إبنه، وهذه سيدتنا آسيا بنت مزاحم رضي الله تعالى عنها عاشت في كنف فرعون زوجة ولكنها لم ترض بعمله فآمنت حين كان الإيمان يعني تعرضها لبطش الطاغية الذي إدّعى الربوبية، فنحن مطالبون بالعمل في الطاعات والتربية والأخلاق والأرزاق ونسأل الله تعالى السداد والقبول والتوفيق، قال جل وعلا {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} التوبة 105، ويبقى باب فضل الله سبحانه وتعالى مفتوحاً يصيب به من يشآء من عباده قال عز وجل {… وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} النسآء 113، وقال سبحانه {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} الجمعة 4، وهذا فيه توجيه للعباد بضرورة التعلق والتطلع إلى فضل الله جل في علاه وذلك بالإكثار من الدعآء كما جآء في قوله تبارك اسمه {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة 186.
والله سبحانه وتعالى أعلم.