2014/08/30

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيدي وَبَارِكْ الله تعالى فيكم وأيدكم بيد النبيّ عليه أفضل الصلاة والسلام لكلّ ما تقدموه وفي ميزان حسناتكم سيّدي / كنت أطوف حول الكعبة المشرفة وأدعو ويردد خلفي بعض إخوتي وأهلي ممّن لا يجيدون الدعاء. فقال لي أحد الطائفين هذا لا يجوز فأنت تشوّش علينا وأمرني بأنْ أخفت صوتي. أو أنْ يدعو كلّ واحد منا على انفراد . فما الحكم الصحيح في ذلك سيدي؟ وَبَارِكْ الله تعالى فيكم.

 الاسم: احمد مولود

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، شكرا جزيلا على دعواتكم المباركة، وأسأله تعالى أنْ يجعلني خيرا ممّا تظنون، وبعد فالأصل في الدعاء أنْ يكون خافتا لأنّه أقرب إلى الخشوع والحضور مع الله تعالى الغفور؛ لما ورد في الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة.

فمن الكتاب قوله عزّ شأنه {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55]، قال الإمام القرطبي رحمه الله سبحانه في تفسيره: (قَوْلُهُ تَعَالَى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ) هَذَا أَمْرٌ بِالدُّعَاءِ وَتَعَبُّدٌ بِهِ. ثُمَّ قَرَنَ جَلَّ وَعَزَّ بِالْأَمْرِ صِفَاتٍ تَحْسُنُ مَعَهُ، وَهِيَ الْخُشُوعُ وَالِاسْتِكَانَةُ وَالتَّضَرُّعُ. وَمَعْنَى “خُفْيَةً” أَيْ سِرًّا فِي النَّفْسِ لِيَبْعُدَ عَنِ الرِّيَاءِ، وَبِذَلِكَ أَثْنَى عَلَى نَبِيِّهِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُ {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا}[مريم عليه السلام: 3]، وَنَحْوَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي) الجامع لأحكام القرآن (7 / 143).

ومن السنّة ما ورد عَنْ سيّدنا أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

ويجوز رفع الصوت بالدعاء في أحوال مختلفة، منها:-

1- لغرض التعليم، فعن الأسود رضي الله تعالى عنه قال (كَانَ عُمَرُ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ صَوْتَهُ يُسْمِعُنَا سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى.

2- عقب الصلوات المكتوبة: فَعَنْ سَيِّدِنَا ثَوْبَانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ وعلا.

3- الدعاء على الأعداء: فعن سيّدنا ابْن مَسْعُودٍ رضيالله تعالى عنه قَالَ (بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍوَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمْ الضِّحْكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّسُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

والصحيح أنْ تجمع بين فضيلة التعليم وجمع إخوانك على طاعة الذكر والدعاء، وعدم التشويش على الآخرين فلكلٍّ مِنَ الطائفين حاله مع ربّه تبارك وتعالى، فلك أنْ توازن بين ذلك فتقرأ الأدعية على نحو يُسمع مَنْ حولك من أحبابك فقط قدر المستطاع، ولهم أنْ يرددوا خلفك بصوت خافت.

والله جلّ وعلا أعلم.