2014/09/04

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي وَبَارِكْ الله تعالى فيكم على هذا الموقع المبارك ونفع الله تعالى به المسلمين آمين/ رزقني الله تعالى الحج بكرمه ومنِّه في إحدى السنوات وفي صعيد عرفات وبعد غروب شمس يوم عرفة تأخرت السيارات كثيرا علينا حتى بقينا إلى منتصف الليل تقريبا في أرض عرفات واختلف الحجاج فيما بينهم فبعضهم يقول: نصلي في عرفات المغرب والعشاء لأنّ الوقت تأخر، وآخرون أصرّوا على أنْ لا يصلوا إلا في مزدلفة.

فما هو الحكم الصحيح والقول الراجح في ذلك؟ وَبَارِكْ الله تعالى فيكم سيّدي.

الاسم: عبد القادر علي

 

الرد:

    وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عزّ وجلّ خيرا على دعواتك الطيبة ومشاعرك النبيلة.

    السنّة هي أنْ يجمع الحاج بين المغرب والعشاء بمزدلفة جمع تأخير لثبوت ذلك عن سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، فإذا خشيَ فوات الوقت بالنسبة لصلاة العشاء وهو ثلث الليل قبل أنْ يصل مزدلفة، فالأوْلَى له أنْ يصلي ولو قبل مزدلفة، حيث أمر الله جلّ وعلا بالمحافظة على أداء الصلوات فقال سبحانه {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة/238]، كما وبيّن صفات عباده المؤمنين بعد أنْ بشّرهم بالفلاح فقال {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون/9]، وأكّد عزّ وجلّ على ضرورة تأدية الصلاة في أوقاتها فقال {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء/103].

  وقد بيّن سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام أنَّ أداء الصلاة في وقتها من أفضل الأعمال وأحبّها إلى الله تعالى فعَن سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ . قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ – أي مراعاة له-) الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.

    كما وحذّر المصطفى صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والوفا من تأخير الصلاة عن وقتها بغير عذر فعَن سيّدنا أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه قال: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلّم- وَضَرَبَ فَخِذِي كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ قُلْتُ: مَا تَأْمُرُ؟ قَالَ: صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ) وفي رواية أخرى (صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ مَعَهُمْ فَصَلِّ وَلاَ تَقُلْ إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فَلاَ أُصَلِّي) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.

    ولهذا فمذهبُ جماهير العلماء أنّه يجوزُ ترك الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة وفعلهما قبل مزدلفة، بل ولو في عرفة، فقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع ما نصه (أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِمُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ لِلْمُسَافِرِ فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَوْ فِي غَيْرِ الْمُزْدَلِفَةِ جَازَ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ محمد وسعيد بن جبير ومالك واحمد واسحق وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَدَاوُد وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا قَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ وَلَا قَبْلَ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ جَمْعَهُمْ بِالنُّسُكِ أَمْ بِالسَّفَرِ فَعِنْدَنَا بِالسَّفَرِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالنُّسُكِ) فالراجح أنّه متعلق بالسفر لا بالنسك.

    ويمكن أنْ يُقال أيضاً: يجوز أداء صلاتي المغرب والعشاء في عرفة استنادا إلى مبدأ التيسير والتخفيف ورفع الحرج، قال جلّ وعلا {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال {— مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6].

    ويمكن القول: إنّ من جملة الحِكَمِ في عدم جمع النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم لهاتين الصلاتين في عرفة أنّها كانت غير مسكونة، وفيها من الهوامّ والسباع والمؤذيات ما الله جلّ وعلا به أعلم، فخشي على أصحابه منها فاستعجلهم في النفرة وأمرهم أنْ تكون الصلاة أمامهم في مزدلفة، أمّا الآن فالأمر مختلف لذا لا أرى بأسا في أداء صلاتي المغرب والعشاء في عرفة إذا غلب على الظنّ أنّهم لا يدركونهما في مزدلفة. والذي يؤكّد هذا أنّ الخدمات التي يحتاجها المصلي لأداء صلاته غير متوفرة في مزدلفة كما هي في عرفة، فالكثير من الحجيج لا يَصِلُون مزدلفة إلا في وقت متأخر من الليل بسبب الازدحام، ولا يجدون ماء للوضوء ولا مكانا لقضاء الحاجة – أجلّكم الله سبحانه – وقد قال الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم: إنّ وقت الوقوف بعرفة يبدأ من زوال شمس اليوم التاسع – وهو يوم عرفة – إلى فجر يوم النحر – وهو أوّل أيام عيد الأضحى – فلو أنّ مسلما لم يتمكّن من الوصول إلى عرفة إلا ليلا فأين سيصلي صلاتي المغرب والعشاء؟ أليس في عرفة؟ بلى، إذنْ: لا إشكال في هذه المسألة يستوجب خلافاً، وأقصى ما يمكن أنْ يقوله المخالف: إنّ الذي يجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في عرفة قد خالف السنّة، ومَنْ خالفها يخسر أجر الفضيلة فقط، لكنّ عمله صحيح ومقبول بإذن الله تعالى.

    وأتمنى من المسلمين أنْ تكون مداركهم واسعة، فالشرع الشريف فيه من المرونة ما يدعو إلى التطوّر والتيسير على الناس والتخفيف عنهم وعدم إيقاعهم في الحرج.

    والله جلّ وعلا أعلم.