2014/09/21
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
كيف حالكم سيّدي حضرة الشيخ سعد الله. أسعدكم الله تعالى في الدارين..
سيّدي سؤالي هو:-
كيف أرقق قلبي؟
راجيا دعائكم.
الاسم: يوسف
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على دعواتك الطيّبة وأسأله سبحانه أنْ يوفقك وجميع المسلمين لكلّ خير إنّه جلّ وعلا وليّ التوفيق.
قال ربنا جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [سورة الحديد: 16].
وقال عزّ وجلّ:-
{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [سورة الزمر: 22].
جاء في فتح القدير ما نصّه:-
(فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ قَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: أَيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ: أُتْخِمْتُ عَنْ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ وَمِنْ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ غَلُظَ قَلْبُهُ وَجَفَا عَنْ قَبُولِ ذِكْرِ اللَّهِ، يُقَالُ: قَسَا الْقَلْبُ إِذَا صَلُبَ، وَقَلْبٌ قَاسٍ أَيْ: صُلْبٌ لَا يَرِقُّ وَلَا يَلِينُ، وَقِيلَ: مَعْنَى (مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) مِنْ أَجْلِ ذِكْرِهِ الَّذِي حَقُّهُ أَنْ تَنْشَرِحَ لَهُ الصُّدُورُ وَتَطْمَئِنُّ بِهِ الْقُلُوبُ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ اشْمَأَزُّوا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ، عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ).
وفي التفسير الكبير البحر المحيط معنى (مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ):-
(أَيْ: مِنْ أَجْلِ ذِكْرِهِ، أَيْ: إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهُمْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [أي حال ذكره سبحانه]. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ قَلْبٍ).
وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
(لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي) الإمام الترمذي رحمه الله تبارك اسمه.
ويقول المصطفى صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أهل الخير والوفا:-
(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ وعلا.
ويقول عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وجاء في جامع الأصول عن سيدّنا عبد الله بن عباس رضي الحقّ جلّ جلاله عنه:-
(يَحُطُّ الشَّيْطَانُ فَاهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسْوَسَ، وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ) وفي رواية:-
(يُولَدُ الْإِنْسَانُ وَالشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِهِ، فَإِذَا عَقَلَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ خَنَسَ، وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ).
فالقلب موضع الأنظار وما ذاك إلاّ لأنّه سيّد الأعضاء وملكها. قال الشيخ ابن القيّم رحمه الباري سبحانه في كتابه إغاثة اللهفان:-
(ولمّا كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرّف في الجنود الذي تصدر كلّها عن أمره ويستعملها فيما شاء فكلّها تحت عبوديته وقهره وتكتسب منه الاستقامة والزيغ وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحلّه قال النبيّ (ألَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ —) فهو مَلِكُها وهي المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيّته، وهو المسئول عنها كلّها لأنَّ كلّ راع مسئول عن رعيته: كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون، والنظر في أمراضه وعلاجها أهمّ ما تنسّك به الناسكون، ولمّا علم عدوّ الله إبليس أنَّ المدار على القلب والاعتماد عليه أجلب عليه بالوساوس وأقبل بوجوه الشهوات إليه وزيّن له من الأحوال والأعمال ما يصده به عن الطريق وأمدّه من أسباب الغيّ بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما إنْ سَلِم من الوقوع فيها لم يسلم مِنْ أنْ يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلاّ بدوام الاستعانة بالله تعالى، والتعرّض لأسباب مرضاته والتجاء القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته، والتحقق بذلّ العبودية الذي هو أولى ما تلبّس به الإنسان ليحصل له الدخول في ضمان {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ —} [الحجر/42]، فهذه الإضافة هي القاطعة بين العبد وبين الشياطين، وحصولها سبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين، وإشعار القلب إخلاص العمل ودوام اليقين فإذا أشرب القلب العبودية والإخلاص صار عند الله من المقربين وشمله استثناء {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر/40]، ولمّا مَنَّ الله الكريم بلطفه بالاطلاع على ما اطلع عليه من أمراض القلوب وأدوائها وما يعرض لها من وساوس الشياطين أعدائها وما تثمر تلك الوساوس من الأعمال، وما يكتسب القلب بعدها من الأحوال، فإنَّ العمل السيئ مصدره عن فساد قصد القلب، ثمَّ يعرض للقلب من فساد العمل قسوة فيزداد مرضا على مرضه حتى يموت، ويبقى لا حياة فيه ولا نور له، وكلّ ذلك من انفعاله بوسوسة الشيطان وركونه إلى عدوه الذي لا يفلح إلاّ من جاهره بالعصيان).
فالمسلم قد تمرّ عليه مراحل من حياته يجد فيها فتوراً في نفسه، وقسوةً في قلبه، وبُعْداً عن ربّه جلّ وعلا، فيسأل نفسه كيف أرقّق قلبي وأجعله من أقرب القلوب الموصولة بخالقها سبحانه؟ والحقيقة أنَّ ترقيق القلوب له سبلٌ وطرقٌ كثيرة، ولكن هناك ما هو أقصرها، ألا وهو الانكسار والتذلّل بين يدي الله الرحيم الرحمن، بعد توبة نصوح فإنَّ أرباب السلوك قد ذكروا أنَّ من أسباب رقّة القلب البُعْد عن المعاصي والسيئات لأنّه كلّما أذنب العبد ران على قلبه شائبة الذنب وسواده.
يقول المصطفى صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والوفا:-
(إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّيْنُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}) الإمام أحمد رحمه الله جلّ وعلا.
رَأيْتُ الذنُـــوْبَ تُمِيتُ القلوبَ *** وَقَدْ يُورِثُ الـذلَّ إدْمَـــــانُهَا
وَتَرْكُ الذنُوبَ حَيَــاةُ القلُــوبِ *** وَخَيْـرٌ لِنَفْسِــكَ عِصْيَـانُهَـــا
وَهَلْ أفْسَدَ الدِّيْنَ إلا المُـــلُوكُ *** وَأحْبَـــارُ سُوءٍ وَرُهْبَــــانُهَا
ومنها:-
الإكثار من ذكر الله تبارك اسمه، واتخاذه لذلك وِرداً.
فهذه القلوب تصدأ كما يصدأ بعض المعادن، ولجلائها دواءٌ واحدٌ هو ذكر الله جلّ في علاه القائل:-
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [سورة الرعد: 28].
ويقول عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا جَلَاؤُهَا؟ قَالَ: تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ) الإمام أبو نعيم رحمه الله الكريم سبحانه.
وقال:-
(إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ جلاله وعمّ نواله.
ويروى أنَّ رجلا قال للإمام الحسن البصري رحمه الباري سبحانه:-
(يَا أَبَا سَعِيْدٍ: أَشْكُو قَسْوَةَ قَلْبِي! قَالَ: أَذِبْهُ بِذِكْرِ اللهِ).
فسعادة القلب وراحته هي بصفاء الفكر ونضوج السلوك وبالتحلي والتزين بالإيمان فسوف يكون قلبا طاهرا نقيا صافيا متجدد العطاء بكلّ ما هو جميل ومفيد ومتدرجا في مراتب الذكر والإحسان.
وهذا يحتاج إلى أسبابه ولعلّ جُلّ أسبابه هو الاتصال بالسادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم فهو من أهمّ أسباب الترقي الروحي، فبالمواصلة والمرابطة تسمو بمعراجك الروحي في مقامات الذكر الشريف الذي يبدأ بشعورك بلذة الذكر ولا حدّ لبركاته ومواهبه، وستفتح عليك بإذن الله تعالى أبوابا عظيمة من الخير.
ومن ندى ذلك ما روي عن سيّدنا الحارث بن مالك الأنصاري رضي الله الباري عنه:-
(أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا فَقَالَ: انْظُرْ مَا تَقُولُ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ فَقَالَ: قَدْ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَأَسْهَرْتُ لِذَلِكَ لَيْلِي، وَأظمأت نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا. فَقَالَ: يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ، ثَلَاثًا) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.
ومن أسباب لين القلب ورقته التراحم بين الناس بشكل عام واليتيم بشكل خاص فعن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:-
(أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُوْلِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَّ تَلْيِيْنَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمِ المِسْكِيْنَ وَامْسَحْ رَأْسَ اليَتِيْمِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ وعلا.
وأرجو مراجعة قسم الذكر والتزكية والسلوك في هذا الموقع المبارك، لاسيما أجوبة الأسئلة المرقمة (1448، 1477، 1578).
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يليّن قلبك ويلهمك رشدك ويثبتك على الصراط المستقيم وجميع المسلمين والمسلمات إنّه سبحانه مجيب الدعوات.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.