2014/09/23

السؤال:

السلام عليكم يا أخي, أنا من مدة أبحث عن حديث نبوي صلى الله تعالى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم, لكني والله نسيته ومضمونه بشكل صحيح, إذا لم أكن مخطئا سمعت بذالك: أنّ رسول الله تعالى صلّى الله عليه وسلّم قال في النصارى أو الروم أو دول أوروبا هم خير منّا في أشياء مثل: لا ينصرون حاكما ظالما، ويقومون بسرعة بعد نكسة أو شيء من هذا القبيل, لذا يا أخي ممكن أنْ ترسل لي ذلك الحديث؟ وشكرا وسلام عليكم ورحمته الله وبركاته. 

 

الاسم: سردار

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك.

قال عالم الغيب والشهادة تبارك اسمه {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر/ 43].

ورد في صحيح الإمام مسلم رحمه الربّ المنعم جلّ وعلا (قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ، عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ» فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ).

أجدني مُلزَما أنْ أُعقِّب بالملاحظات التالية:

1- الكلام الذي ذكرته هو مِنْ قول سيّدنا عمرو رضي الله تعالى عنه, وليس من حديث المصطفى صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والوفا، وهو يدلّ على فقه الصحابة رضي الله سبحانه عنهم وفهمهم لأسباب النهوض الحضاري, وكلامه رضي الله تعالى عنه لا يقتضي اطِّراد الأوصاف فيهم على الدوام, فأحوال الناس تتغير بعوامل منها:- اختلاف البلاد، وتقلّب ظروف الحياة، وتغيّر وسائلها، ومؤثرات أخرى, وتوصيفه رضي الله سبحانه عنه بحسب ما شهده منهم في وقته مِنْ خلال معرفتهم ومعايشتهم.

2-  المقصود بالروم الغرب عموما, أمّا كثرة الروم فقد اختلف العلماء رضي الله تعالى عنكم وعنهم في المراد به، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله جلّ وعلا (هذا يدلّ على أنّ الروم يسلمون في آخر الزمان، ولعلّ فتح القسطنطينية يكون على يدي طائفة منهم كما نطق به الحديث المتقدم أنّه يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق، والروم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، فمنهم أولاد عم بني إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق، فالروم يكونون في آخر الزمان خيرا من بني إسرائيل، فإنّ الدجال يتبعه سبعون ألفا من يهود أصبهان فهم أنصار الدجال، وهؤلاء – أعني الروم – قد مدحوا في هذا الحديث، فلعلهم يسلمون على يدي المسيح ابن مريم. والله أعلم)

وقال الإمام المناوي رحمه الرحمن تعالى شأنه (“تقوم الساعة”أي القيامة “والروم أكثر الناس” ومن عداهم بالنسبة إليهم قليل، وثبت في الصحيح أنّه لا يبقى مسلم وقت قيام الساعة لكن يكون الروم وهم قوم معروفون وهم أكثر الكفرة ذلك الوقت)

والذي يظهر من سياق اللفظ وهو لفظة الناس التي تدلّ على الكثرة؛ ووصف الإيمان وصف زائد عن تلك الكثرة؛ وهو ما تؤكّده بقية النصوص مِنْ أنّ الساعة تقوم على شرار الخلق؛ وحتى لا يقال في الأرض “الله الله”؛ وهذا ما يرجح قول مَنْ قال بأنّهم أكثر الكفار عند قيام الساعة؛ والعلم عند الله تعالى.

ثمّ إنّ هذا الحديث الوحيد الذي صُدّر بقول حضرة النبيّ المعصوم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم “تقوم”، ولم يتصدّر بصيغة لا تقوم كما في باقي أشراط الساعة وهذا ممّا يرجح القول بأنّ الأمر عند قيام الساعة.

3- بقاء الروم وكونهم أكثر الناس إلى أنْ تقوم الساعة لأنّهم يمتلكون مقومات بقاءهم ولو نظرت إلى هذه المقومات لرأيت أنّها مِنَ الأسباب التي أمر الله تعالى بها المسلمين مِنْ حلم عند حدوث الفتن ما يجعلهم ينظرون إلى الأمور ويعالجونها لأجل أنْ لا تذهب أنفسهم, وعدم الانهزامية أمام الأحداث والمصائب, وتخطيطهم لمواجهة الأزمات, ورعايتهم للمساكين، وعدم الظلم عند ملوكهم.

4-  وإنصاف الآخرين فيما هو حق لا يعني اتباعهم, والمسلمون أولى مِنْ غيرهم بهذه الصفات, والله جلّ في علاه قد وضع أسبابا لبقاء الأمم, وخروج الأمّة الإسلامية عن هذه السنن الإلهية يخرجهم عنْ ضمان الحقّ جلّ وعلا لريادتهم البشرية وقيادتهم للإنسانية.

5- عدم الاغترار بحضارة الغرب فقد يجرّ ذلك إلى الفتنة في الدي
ن, وقد حذّر ربُّنا جلّ جلاله مِنْ ذلك فقال عَزّ مِنْ قائل {لا يُغرَّنَّك تقلُّب الذين كفروا في البلاد * متاعٌ قليلٌ ثمَّ مأواهم جهنم وبئس المهاد} [آل عمران عليهم السلام/196-197], ففيها مِنَ السوءآت ما لا تجده إلا في عالم البهائم أجلَّكم الله تعالى, وإليك شهادةٌ مِنْ عبد لله عايش هذه الحضارة ولم تتسخ ثيابه بلوثتها يقول حضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى رحمه الله تعالى  وأناله ووالديه الكرم اللائق بذاته الأقدس (فالحضارة الأوربية الحديثة قوامها ما ترى:-

في العلم: ترجيح أسباب الموت والدمار على أسباب العيش والحياة.

تنفق الأموال بلا حساب على القنابل الذرية والنووية والشعاعية والسمية والجرثومية وكلّ ما يصنع الهلاك والدمار الجماعي للبيئة ولبني الإنسان. هذا وفي أبناء بلادها مَنْ يعانون قلة الرفاهية وعطالة اليد العاملة.

في الاستخراب: يستبيحون استعمار شعوب الشرق ونهب ثرواتهم وهدر دمائهم وإلقاء الفتن والقتال بينهم وتسبيب المجاعات في بلدانهم ومحاربة الإسلام الناهي عن كلّ هذه الشنائع.

وفي المجتمع والحياة: همجية نكراء وإشاعة للخنى والوباء؛ وإعاقة لتكوين العوائل والأسر؛ وأمهات كثيرات دونما زواج وأزواج، وأطفال كثيرون دونما آباء؛ وآخرون ولائد مطروحة في محطات القطار أو أقفاص الهاتف دونما آباء ولا أمهات؛ وتسييب لنوازع الشهوات في كل الجهات) معالم الطريق في العمل الروحي الإسلامي ص218.

وصلّى الله تعالى على مَنْ لا ينطق عن الهوى سيّدنا مُحمّد الذي دلّنا على طرق الحقّ ومخالفة الهوى وعلى آله وصحبه ما غرّد القمري وما هبَّ الهوا.

والله جلّ جلاله أعلم.