2014/10/05
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته/ سيّدي بارك الله تعالى في عمركم وفي عملكم وأدامكم وسدّد خطاكم/ سيّدي سمعت أحد الدعاة وقد ذكر ساداتنا الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعنكم مجردين بأسمائهم وفي نفس البرنامج ذكر مشايخه قائلا (شيخنا الشيخ فلان حفظه الله أو رحمه الله) ونويت إنْ جمعني الله تعالى به في يوم من الأيام أنْ أنبهه إلى ذلك.
سيّدي برأيكم هل هذه النية صحيحة؟ وإذا تحققت فكيف لي أنْ أبدأ معه؟ وجزاكم الله تعالى خير الجزاء.
الاسم: عبد الحق الاوسي
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وجزاك الله جلّ في علاه خيراً على دعائك الكريم وأدعو لك ولجميع المسلمين بمثله.
يقول ربّنا جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل} [سورة آل عمران عليهم السلام: 172 – 173].
وقال الحق جلّ وعلا:-
{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الحشر: 8 – 9].
وعَنْ سيّدنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ:-
(إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.
فالصحابة رضي الله جلّ وعلا عنهم وأرضاهم أجمعين بلا شكّ هم خير الأمّة بعد نبيّها عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، فهم رأسُ الأولياء وصفوةُ الأتقياء، وقدوةُ المؤمنين وأسوة المسلمين، شرّفهم الله سبحانه بمشاهدة وصحبة خاتَم أنبيائه صلى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وآله وصحابته، بذلوا أنفسَهم وأموالهم في سبيل الله تبارك اسمه فجمَعوا بين العلم بما جاء به سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، وبين الجهادِ معه، حتّى صاروا خِيرَةَ الخِيَرَة وأفضلَ القرون بشهادة المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه وآله وأصحابه أجمعين، فهم خيرُ الأمَم سابقهم ولاحقهم، أوّلهم وآخرهم. قال الإمام أبو عبد الله محمد الشيباني رحمه الله جلّ وعلا في متنه المبارك:-
ونشــــهدُ أَنَّ اللهَ خَصَّ رسولَـــــــهُ *** بأصْحابِــــه الأبــــرارِ فضْـلاً وأيَّدا
فهمْ خيــــرُ خَلْقِ اللهِ بعدَ أنْبِيائِــــــهِ *** بِهِم يَقْتدِي فِـــي الدينِ كلُّ مَن اقْتَدى
شهد الله عزّ وجلّ لهم بالإيمان الحق وكرَّه لهم الكفر والفسق والمعاصي، وشهد لهم بالرشاد فقال سبحانه:-
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [سورة الأنفال: 74].
وقال:-
{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [سورة الحجرات: 7].
وكتاب الله جلّ جلاله مليء بالآيات التي تزكيهم وتذكر فضلهم رضي الله تعالى عنهم؛ فكلُّ وصفٍ في القرآن الكريم مُدِحَ به المؤمنون، فالصحابة رضي الله جلّ وعلا عنهم أولى به، وكلُّ صفاتٍ أثنى الله عزّ شأنه على مَن اتَّصف بها من المؤمنين، فالصحابة رضي الله عزّ وجلّ عنهم هُم أوّل من اتَّصف بها، وكلُّ فعلٍ مَدَح الله تعالى فاعله من هذه الأمّة، فالصحابة الكرام أوّلُ مَنْ فعَله، فهم أولى بالمدح والثناء ممّن بعدهم، كما بيَّن حضرة النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فضلهم فقال:-
(خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.
فواجب على الأمّة أنْ تُوقِّرَ صحابةَ سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، وتعرفَ قدرهم، فتوقيرُهم من تعظيمِ الله جلّ جلاله، ومِن توقير نبيّه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم.
ولقد كان الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم يوقّر بعضهم بعضا بما يستحق من ألفاظ التبجيل، فهذا سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه يخاطب سيّدنا الصدّيق رضي الله تعالى عنه عند بيعته للخلافة فيقول:-
(— بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وعن سيّدنا جابر رضي الله تعالى عنه قال:-
(كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالًا) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
قال صاحب متن الشيبانية رحمه الله سبحانه:-
وأفْضَلُهُــــــــمْ بَعْدَ النَّبِــــــيِّ مُحَمَّدِ *** أبُوْ بَكْرٍ الصِّدِيقُ ذُو الفَضْلِ والنَّدى
لَقَدْ صَدَّقَ المُخْتَارَ فــي كُلِ قَوْلِــــهِ *** وآمَنَ قَبْلَ النّـــــَاسِ حقــــــاً وَوَحَّدا
وأَفْداهُ يَوْمَ الغَـــــارِ طَوْعــــاً بِنَفْسِهِ *** وَوَاسَاهُ في الأَحْـــــوَالِ حَتى تَجَرَدا
وِمِنْ بَعْدِهِ الفَارُوقُ لا تَنْسَ فَضْلَهُ *** فقَدْ كانَ للإسْــــلامِ حِصْنـــــاً مُشَّيَدا
لقَدْ فَتَحَ الفَارُوقُ بالســــَّيفِ عَنْـــوةً *** جمِيعَ بــــلادِ المُســـــــــْلِمِينَ ومَهَّدا
واظْهَـرَ دِينَ اللهِ بَعْدَ خَفَائِـــــــــــــهِ *** وأطفأ نـــارَ الْمُشْـــــــرِكِينَ وأخْمَدا
وعُثمانُ ذُو النُّورَينِ قدْ ماتَ صائِما *** وقدْ قــــــامَ بِاْلقُــــــرآنِ دَهْراً تَهَجُدا
وجَهَّزَ جَيشَ العُسرِ يَوماً بِمالِـــــــهِ *** وَوَسَّعَ للْمُخْتارِ والصًّحْبِ مَسْــــجِدا
وبايَعَ عَنْـهُ المُصْطَفَـــــى بِشِمالِـــهِ *** مُبَايَعَــــةَ الرِّضْـــــوَانِ حقاً واشْهَدا
ولا تَنْسَ صِهْرَ المُصْطَفَى وابْنَ عَمِّهِ *** فقَدْ كـــانَ بَحْــــرَاً للْعِلُـــــومِ مُسَدَدا
وفَادَى رَسُولَ اللهِ حقـــــاً بِنَفْسِـــــهِ *** عَشَـــيَّةَ لمّــــَا بِالفـــــِراشِ تَوسّـــَدا
ومَن كــــانَ مَولاهُ النَّبــــيُّ فقدْ غَدا *** علــــيٌّ لَــــهُ بِالحَقِّ مَولــىً ومُنْجِدا
وطَلْحَتُهُـــــــم ثُمَّ الزُبَيرُ وســـَعْدُهُم *** كَــــذا وسَـــعِيدٌ بِالسَّـــعادَةِ أُسْــــعِدا
وكانَ ابْنُ عَوفٍ باذلَ المالِ مُنْفِقـــا *** وكـــــــانَ ابْنُ جَرَّاحٍ أمِينَــــاً مُؤَيَّدا
ولا تنسَ باقيَ صَحْبِهِ وأهـلَ بيتـــه *** وأنصـــاره والتـــابعين على الهدى
فكُلُهُمُ أثْنَـــــــى الإِلَـــــهُ علَيُهُــــــمُ *** وأثْنَـى رَسُـــــولُ اللهِ أَيضــــاً وأكَّدا.
وبالتالي فإنّ ذكرهم مجرّدا عن الوصف بما يستحقون من الترضّي وغيره من ألفاظ التوقير والاحترام يعدُّ تقصيرا في حقّهم.
وممّا يدلّ على عظيم مكانتهم ما جاء في الموسوعة الفقهية:-
(وَمَنْ سَبَّ الصَحَابَةَ أو انْتَقَصَهُمْ أوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ يُحْبَس وَيُشَدّد عَلَيْهِ فِي السِّجْنِ). وأيضا:-
(مَنْ سَبَّ الصَحَابَةَ، أوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَإنْ نَسَبَ إليْهِمْ مَا لا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ، أوْ فِي دِيْنِهِمْ بَأنْ يَصِفَ بَعْضَهُمْ بِبُخْلٍ، أوْ جُبْنٍ، أوْ قِلّةِ عِلْمٍ، أوْ عَدَمِ الزُّهْدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلا يُكَفَّرُ بِاتّفَاقِ الفُقَهَاءِ، وَلَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَأدِيْبَ).
ولا شكّ أنّ التنبيه والتوجيه في ذلك عمل صحيح بل هو واجب شرعي من باب التذكير والتواصي والتناصح بين المسلمين.
قال ربّنا سبحانه:-
{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر: 1 – 3].
وقال جلّ في علاه:-
{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الذاريات: 55].
وعَنْ سيّدنا تَمِيمٍ الدَّارِيّ رضي الله تعالى عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم قَالَ:-
(الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وينبغي أنْ تكون هذه النصيحة بعد الإخلاص لله جلّ وعلا منضبطة بأمره سبحانه حيث يقول:-
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة النحل: 125].
والله عزّ شأنه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.