2014/10/08
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته / بارك الله تعالى فيكم للجهود التي تبذلونها في خدمة هذا الدين الحنيف ورزقكم التمكين وأيدكم / سيّدي أحيانا أصلي مع الجماعة في الجامع وأنتبه على نفسي وأنا أقرأ بأوقات الصلاة المعلقة أمامي أو أنسى أنْ أقرأ بسورة الفاتحة بعد الإمام حتى في الصلاة السرية، فهل تبطل صلاتي أم ما هو الحكم؟ وجزاكم الله تعالى كلّ خير.
الاسم: مصطفى كريم
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته ، وأسأل المولى جلّ جلاله وعمّ فضله ونواله أن يبارك فيكم ويرزقكم قلبا خاشعا وعقلا متدبرا ولسانا ذاكرا.
قال الله في كتابه المبين {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، قال الإمام مجاهد رحمه الله: فمن القنوت: الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح من رهبة الله عزّ وجلّ وتعظيم قدر الصلاة.
ومن المعلوم أنّ الصلاة من أعظم أركان الدين العملية، والخشوع فيها من المطالب الشرعية، ولما كان عدوّ الله إبليس قد أخذ العهد على نفسه بإضلال بني آدم وفتنتهم، وهو المذكور في قوله تعالى حكاية عنه {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17]، صار من أعظم كيده صرف الناس عن الصلاة بشتى الوسائل، والوسوسة لهم فيها لحرمانهم لذة هذه العبادة وإضاعة أجرهم وثوابهم، ولمّا كان الخشوع أوّل ما يرفع من الأرض ونحن في آخر الزمان، فعن سيّدنا أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه مرفوعا قال (أَوَّل عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الْخُشُوعُ، يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الْجَمَاعَةِ فَلَا تَرَى فِيهِ رَجُلًا خَاشِعًا) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.
ولذلك كان السلف يؤكدون على هذه الحقيقة في مواعظهم، فهذا سيّدنا حذيفة رضي الله عزّ وجلّ عنه يقول: (أوّل ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورُبّ مصلٍّ لا خير فيه، ويوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيهم خاشعا) مدارج السالكين (1/521)، وما النظر إلا جانب من جوانب الخشوع في الصلاة، فينبغي للمصلي أنْ يقف وقفة الأدب، خاضعا ومتذللا أمام مولاه، فلا يلهيه شيء عن جنابه، ولا يشغله أمر ينقص من ثوابه، قال الله جلّ جلاله وعمّ نواله {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2]، والخشوع هو السكون والطمأنينة والتؤدة والوقار والتواضع، والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته. تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى.
ومحلّ الخشوع في القلب، وثمرته على الجوارح، (رَأَى ابْنُ الْمُسَيَّبِ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: إِنِّي لَأَرَى هَذَا لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ خَشَعَتْ جَوَارِحُهُ) الإمام عبد الرزاق رحمه الله جلّ وعلا.
والهيئة الصحيحة بالنسبة للعين في الصلاة أثناء القيام هي النظر إلى محل السجود، (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صلّى الله عليه وسلّم – إِذَا صَلَّى رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ تَدُورُ عَيْنَاهُ يَنْظُرُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}) الإمام البيهقي رحمه الله سبحانه.
وعن السيدة عائشة رضي الله عنها وعن أبيها (أنّ الرسول صَلَّى اللَّه عليه وسَلَّم لمّا دخل الكعبة وصلّى لم يجاوز بصره موضع سجوده) الإمام الحاكم رحمه الله تعالى.
وذهب الإمام مالك رحمه الله عزّ وجلّ إلى أنّ موضع النظر في الصلاة إلى الأمام باتجاه القبلة لقوله تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144].
وذهب شريك بن عبد الله القاضي رحمه الله جل في علاه إلى أن النظر في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع القدمين، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى حجره.
واتفق الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على كراهة الالتفات ورفع البصر، فعن الصدّيقة عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت (سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلاَةِ، فَقَالَ: هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ أَحَدِكُمْ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
أمّا قراءة سورة الفاتحة فقد روي في فضلها عَنْ سَيّدِنَا أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ سُورَةً مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: لَعَلَّكَ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ حَتَّى أُحَدِّثَكَ بِهَا. فَقُمْتُ مَعَهُ فَجَعَلَ يُحَدِّثُنِي وَيَدِي فِي يَدِهِ، فَجَعَلْتُ أَتَبَاطَأُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْبِرَنِي بِهَا، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنَ الْبَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي. قَالَ: “كَيْفَ تَبْدَأُ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ؟ قَالَ: فَقَرَأْتُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ. فَقَالَ: هِيَ، هِيَ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّذِي قَالَ اللَّهُ: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}) [الحجر: 87] الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى.
وأوجب الجمهور على الإمام والمأموم قراءتها لِمَا روى سيّدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ – صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – أَنْ أُنَادِيَ أَنَّهُ: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ) الإمام أبو داود رحمه الله الغفور الودود.
أمّا السادة الحنفية رضي الله تعالى عنهم فقد ذهبوا إلى أنّها واجبة على الإمام وعلى المنفرد، أمّا المأموم فلا يقرأ شيئا لا في صلاة سرّية ولا في جهرية، لا في الأوليين ولا الأخريين، بل عليه الإنصات في وقت القراءة ولو لم يسمع قراءة الإمام. قال الزيلعي رحمه الله سبحانه في تبيين الحقائق: ((قَوْلُهُ: وَالْإِنْصَاتُ فَرْضٌ بِالنَّصِّ إلَى آخِرِهِ) يَعْنِي قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204]، وَالْإِنْصَاتُ لَا يَخُصُّ الْجَهْرِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ عَدَمُ الْكَلَامِ لَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ السُّكُوتُ لِلِاسْتِمَاعِ لَا مُطْلَقًا وَحَاصِلُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَمْرَانِ الِاسْتِمَاعُ وَالسُّكُوتُ فَيُعْمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَالْأَوَّلُ يَخُصُّ الْجَهْرِيَّةَ وَالثَّانِي لَا فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فَيَجِبُ السُّكُوتُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ وُرُودَ الْآيَةِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ هَذَا وَفِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِمَاعِ فِي الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ مُطْلَقًا).
والله عزّ شأنه أعلم.