2014/10/08
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سيّدي حفظكم الله تعالى وزادكم نوراً وبركة، شخص يرغب استدانة مبلغ من المال من أحد أقاربه وسيسدده في شهر كذا… وبمقابل إذا توظف أنْ يدرس ابن صاحب المال على حسابه الخاص هل هذا يعتبر ربا؟
الاسم: ابو ابراهيم
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، بارك الله عزّ وجلّ فيك على دعائك للفقير ولك بمثله.
من صفات هذه الأمة أنْ تكون متكاتفة متآزرة يصدق على أفرادها وصف نبيّهم الأعظم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) متفق عليه، ومن علامة هذا التكاتف والتآزر مساعدة بعضهم لبعض خاصة في الأمور المادية لاسيما في هذا الوقت الصعب سواء بزكاة أو صدقة أو قرض حسن، وقد أعظم الله تبارك وتعالى أجر المقرض كما جاء في حديث سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى.
والشرط الذي وضعه المقرض في سؤالك يدخل في الربا، استناداً إلى الحديث الشريف (كلّ قرض جرّ منفعةً فهو ربا) الإمام الهيثمي رحمه الله جلّ وعلا، والحديث وإنْ حُكِم بضعفه ولكن أجمع الفقهاء رحمهم الله تعالى على صحّة معناه.
وقد توعّد الله عزّ وجلّ متعاطي الربا بوعيد شديد حريٌّ بالمسلم أنْ يفرّ من أي شبهة به فراره من الهلاك المحتوم فقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُون} [البقرة 278 ، 279]، ثمّ حثّ سبحانه عباده على الإحسان للمقترض وإمهاله قدر الإمكان فقال {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة 280]، وقال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه (حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
فليحذر المقرض والمقترض من هذه المعاملات وليتذكر جميعنا حديث سيّدنا أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال (بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
أمّا أنْ يكافىء المُقترض صاحب القرض بعد سداد القرض مِنْ غير اتفاق مٌسبق بأنْ يُقدّم له هدية أو يُدّرس ولده كما ذُكر في السؤال أو نحو ذلك فلا بأس به، لأنّ ذلك مِنْ حُسن القضاء المندوب، تفاعلا مع هدايات الحبيب المحبوب صلى وسلم عليه علّام الغيوب، وعلى آله وصحبه ما أشرقت شمس أو أفلت لغروب المتفضل بقوله (غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ سَهْلًا إِذَا بَاعَ سَهْلًا إِذَا اشْتَرَى سَهْلًا إِذَا قَضَى سَهْلًا إِذَا اقْتَضَى) الإمام أحمد رحمه الله تعالى الممجد، وقد فعل ذلك خير الناس قضاءً سيّدنا خاتم الأنبياء صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه الأتقياء الأنقياء؛ فقد روي عن سيّدنا أَبي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكْرًا فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ قَالَ أَبُو رَافِعٍ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَقُلْتُ لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطِهِ إِيَّاهُ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً) الإمام مالك رحمه الله سبحانه، ولمزيد اطلاع وفهم أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة الواردة بخصوص الربا تحت باب المعاملات في هذا الموقع المبارك.
والله عزّ وجلّ أعلم.