2014/10/10

السؤال:

السلام عليكم سيّدي وشيخي وتاج رأسي ورحمة الله تعالى وبركاته / جزاكم الله تعالى كلّ خير على ما تقدموه للإسلام والمسلمين وجعله في ميزان حسناتكم / سيّدي أحيانا أقرأ القرآن الكريم في الجامع فيدخل شخص ويسلّم بصوت عال أو أسمع مَنْ يصلّي على سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام. فهل أقطع القراءة وأردُ السلام وأصلي وأسلّم على خير الأنام أم ما هو الحكم؟ وجزاكم الله تعالى كلّ خير.

 

الاسم: محمد صالح

الرد: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وبارك الله عزّ وجلّ فيك على دعواتك الطيبة ولك بمثلها.

من العادات الغير مستحبة رفع الصوت بالسلام في بعض الأماكن التي غالباً ما يكون الناس فيها مشغولين كالمساجد، وقد ذكر صاحب حاشية ابن عابدين رحمه الله تعالى ثمانية مواضع لا يجب ردّ السلام فيها، وعبارة لا يجب لا تعني لا يجوز، ومن ذلك المساجد، فالذي في المسجد لا بدّ أنْ يكون مشغولاً بصلاة أو قراءة قرآن أو ذكر أو تعليم، وقطع القراءة أو الذكر لردّ السلام يذهب بالبركة ويقطع انسياب الفكر، بل إنّه يشوّش حتى على المصلّي لأنّ أهل المسجد يعرف بعضُهم بعضا، فإذا دخل شخص وسلّم فالمصلي سيقول في نفسه: هذا فلان دخل، وربّما ينساق تفكيره لأكثر من مجرّد هذه الخاطرة تبعا لعلاقته بهذا الشخص.

فكلّما كان المسلم في المسجد منقطعاً عن الشواغل كلّما كانت عبادته أقرب إلى الكمال وأكثر تأثيراً وفائدة، ولا بأس إنْ دخل وواجه شخصاً ذا علاقة به أنْ يسلّم عليه بصوت خفيض دون أنْ يُسمِعَ الآخرين.

وقد انتشرت هذه العادة بأشكال متفاوتة خاصة في بعض الدول، فمنهم مَنْ يدخل المسجد ويطلق صوته بالسلام بحيث يُسمع كلّ مَنْ فيه وكأنّه يدخل مقهى أو مجلسا عامّا، ونسي أنّ رفع الصوت ممّا نهى عنه سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه في أحاديث منها: أنّه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلّونَ وَقَدْ عَلَتْ أصْوَاتُهُمْ بِالقِرَاءَةِ فَقَالَ: إنَّ المُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيهِ وَلَا يَجْهَر بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالقُرْآنِ) الإمام أحمد رحمه الله سبحانه، فإنْ كان أصلُ النهي في رفع الصوت بالقرآن فمَا بالك في رفعه بالسلام وبغيره؟

ومنْهم مَنْ يلقي السلام على مجموعة بعينها وهو أخفّ ضرراً من الأول، وهناك في بعض المساجد مَنْ تعوّد روّادُه على إلقاء السلام وهو خارج بعد إتمام صلاة الجماعة ممّا يشوّش حتماً على المصلين المشغولين بالتسبيحات المسنونة بعد الصلوات.

وتقع على أئمة المساجد مسؤولية تنبيه المصلين على هذه المسائل وغيرها لتنعم مساجدهم بالسكون والطمأنينة، لا مجال فيها للفوضى والصخب لأنّها  لم تجعل لذلك.

وما ورد أنّ (رجلاً دخل المسجد ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالس مع أصحابه، فقال الرجل: السلام عليكم، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: وعليكم السلام عشر، ثمّ بعد ذلك دخل رجلٌ آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: وعليكم السلام ورحمة الله عشرون، ثمّ بعد ذلك دخل رجلٌ آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى، فالحديث الشريف يبيّن:

1- أنّ حضرة النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم كان جالساً مع أصحابه رضوان الله تعالى عليهم ومن السنة إلقاء السلام على المجلس.

2- قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (عشر، وعشرون، وثلاثون) في كلّ مرّة تبيان لأجر السلام وردّه.

أمّا الصلاة والسلام على سيّد الأنام عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام عند ذكره فالأفضل قطع قرآءة القرآن الكريم لأنها لا تتكرر كالسلام ، ولأن الصلاة والسلام عليه أمر من الله جلّ جلاله وعمّ نواله في قوله {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب 56]، ولأنّها من أعظم الطاعات وأجلّ القربات، فَعَنِ سَيِّدِنَا أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاَةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاَتِي؟ فَقَالَ: مَا شِئْتَ. قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: مَا شِئ
ْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلاَتِي كُلَّهَا قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ)
الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين  (1261، 1440) في هذا الموقع المبارك.

والله عزّ وجلّ أعلم.