السؤال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته شيخنا الفاضل سؤالي هو عن نفقة علاج الزوجة الغنية رجل تزوج من امرأة كانت متزوجة سابقا ولها ذرية من زوجها الأول وكذلك من الزوج الثاني وقد مرضت واحتاجت إلى إجراء عمليات جراحية باهظة الثمن وقد قام بدفع النفقات زوجها الذي هي على ذمته ولكن قدّر الله لها الموت. فهل للزوج أنْ يسترد ما صرفه لعلاجها من الأموال من مالها الذي تركته قبل تقسيم التركة أم لا؟ علما بأنّها كانت غنيّة، وأنّ الزوج كان يتوقع شفاءها فلم يفاتحها في موضوع نفقة العلاج ولم يكن في ذهنه هذا الأمر قبل وفاتها. وجزاكم الله خيرا.   الاسم: محمد     الرد: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وجزاكم خيراً على تواصلكم مع هذا الموقع المبارك. اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في وجوب تكاليف علاج الزوجة، والذي أراه راجحاً والله عزّ وجلّ أعلم وجوبها إنْ كانت في حدود استطاعة الزوج وكان أمل الشفاء في العلاج راجحاً، فسيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أخبر عن عظم أجر النفقة على الأهل فقال (دينارٌ أنفقته في سبيلِ اللهِ. ودينارٌ أنفقته في رقبةٍ. ودينارٌ تصدقت به على مسكينٍ. ودينارٌ أنفقته على أهلِك. أعظمُها أجرًا للذي أنفقته على أهلِك) الإمام مسلم رحمه الله سبحانه، فإذا علمنا أنّ الجهاد في سبيل الله جلّ وعلا واجب على المستطيع تبيّنت لنا أهمية الإنفاق على الأهل، وهو يجسّد الصورة الناصعة للمودة والرحمة التي استهدفتها الشريعة الغرّاء، قال ربّ العزة جلّ في علاه {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]. أمّا في الحالة التي عرضتها في سؤالك، فإنْ أنفق الزوج على علاج  زوجته بنيّة التبرّع وليس القرض فلا يجوز له الرجوع بها وإنْ كانت غنية، وله الحق في نصف تركتها إنْ لم يكن لها ولد، والربع إنْ كان لها، قال تعالى {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ —} [النساء: 12]، وفي الحالتين لنْ يكون نصيبه من الإرث قليلاً باعتبارها غنية كما ذكرت في سؤالك. ولكن إنْ كان فقيراً ويشعر بحاجة إلى المال الذي أنفقه فله أنْ يشرح ظروفه لبقيّة ورثتها فإنْ وافقوا أنْ يستقطعوا من إرثهم ما أنفق أو جزء منه فلهم ذلك، وإنْ لم يوافقوا فليس له حق مطالبتهم. على أني أرجو أنْ تسمو أسرنا فوق هذه الحدود الضيقة وتتألق في سماء التعاون والتباذل والعطاء في ظلّ أجواء الرحمة والتعاطف والإخاء مهتدية بأنوار وأضواء نصوص الكتاب والسنّة العصماء، قال ربّ الأرض والسماء عزّ شأنه {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، وقال سبحانه {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ —} [الفتح: 29]. وقال نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) الإمام مسلم رحمه الله تعالى, وقال (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا، وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (لَا يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ) الإمام ابن حبان رحمه الرحمن سبحانه، وقال (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله. قالوا في معن بن زائدة رحمه الله تعالى وكان من الأجواد: يقولون معن لا زكاة لماله … وكيف يزكّي المال مَنْ هو باذله إذا حال حَوْلٌ لم تجد في دياره … من المال إلا ذكره وشمائله تراه إذا ما جئته متهللا … كأنّك تعطيه الذي أنت نائله تعوّدَ بَسْطَ الكفّ حتى لو أنّه … أراد انقباضا لم تطعْهُ أنامله فلو لم يكن في كفّه غير نفسِهِ … لجاد بها فليتقِ اللهَ سائلُه المستطرف في كل فن مستطرف (ص: 171)، والله سبحانه وتعالى أعلم.