2014/10/26

السؤال:

سيّدي حضرة الشيخ سعدالله, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, أدعو من الله (جلّ جلاله وعمّ نواله) أنْ يجازيكم خير ما جازى ولياً من أولياء أمّة سيّدنا محمد (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم). سؤالي لجنابكم الكريم: هل يجوز التصرّف بالأمانات؟

 

محمد أبو آية

 

الرد: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وأساله سبحانه أنْ أكون عند حُسن ظنّكم، وأنْ يُجزيكم بدعواتكم المباركة عنّي كلّ خير.

وبعد: فالأمانات أمرها عظيم في الشرع الشريف، ولقد وردت نصوص كثيرة تؤكد على مكانتها وعظيم شأنها، منْ ذلك قوله عزّ وجلّ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة الأنفال/الآية: 27]، وأمر الله سبحانه وتعالى بتأدية الأمانات إلى أهلها فقال {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} [سورة النساء/الآية:58].

وخيانة الأمانة من علامات النفاق – نعوذ بالله جلّ وعلا – قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا، إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

ولذلك فإني أنصح مَنْ يقبل هذه الأمانات أنْ يكتب تفاصيلها واسم صاحبها وتأريخ استلامها، ويعطي نسخة من ذلك لصاحبها، وهذا تفعيل للنصوص المُبيّنة لأهمية الأمانة، وضرورة الحرص على أدائها، فمِنْ عِظم شأنها جعل الله جلّ في علاه تضييعها والاستهانة بأمرها مِنْ علامات الساعة، قال الرحمة المُهداة عليه من الله تعالى وآله وصحبه أفضل صلاة وسلام (فَإِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ، وقال أيضا (يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُرْفَعُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا كَأَثَرِ الوَكْت – النقطة في الشيء – وَيَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُنْزَعُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا كَأَثَرِ الْمَجْلِ – غلظ الجلد من أثر العمل –، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ – تجمّع فيها بين الجلد واللحم ماء بسبب العمل –، فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً – منتفخا –، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ. فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَحَتَّى يُقَالَ: لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَأَجْلَدَهُ وَأَظْرَفَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى.

وعليه ينبغي على مَنْ كانت لديه أمانة أنْ يحفظها ولا يتصرف بها إلا بإذن صاحبها، وبعكسه فهو معتد آثم، وعليه الضمان، ويخرج مِنْ ذلك حالات الضرورة القصوى كمَنْ بلغ به الجوع حدّ الهلاك ولم يجد طعاما سواه، ومع ذلك فعليه الضمان.

والله تعالى أعلم.