2014/10/29

السؤال:

السلام عليكم سيّدي وحضرة شيخي رضي الله عنكم. فسيّدي أنتم من خير ما أستشير ونستجير ونسأل بعد الله جلّ وعلا فأسأل الله أنْ يحفظكم من كلّ شرّ وسوء ويزيدنا من فيض نوركم الجلي ويديمه لنا، فيا شيخي الجليل أتمنى من أنواركم المحمدية أنْ ترشدونا كيف أنصح وأدعو إخواني وأصحابي شباب هذا الجيل، كيف نتخلص من مشكلة تواجهنا وهي بالعامية (الضوجة) والملل بسبب الابتعاد عن روح المولی والأنوار المحمدية يا مرشدي كيف نواجهها، أسبابها، علاجها؟ كيف أدعو الشباب لكي يبصر أمرها ونتخلّص منها مع أنّي عبد الله المذنب؟

 

الاسم: محمد

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

بارك الله عزّ وجلّ فيك على كلماتك الطيبة ودعواتك المباركة ومشاعرك المخلصة تجاه إخوانك من شباب المسلمين وحرصك عليهم.

لا شكّ أنّ الفراغ نعمة لا يثمّنها إلّا القليل في الحياة الدنيا ولا ينكرها أحد يوم القيامة، وقد نبّه إليها سيّد البشر صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم في قوله:-

(اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) الإمام النسائي رحمه الله عزّ وجلّ.

فهذه نِعَم قد غفل عنها الكثير، ففي الفراغ متّسع لأعمال الخير واستثمار الوقت في تحصيل الأجر العظيم وزيادة ذخيرة الإنسان وزاده ليوم الحساب، كما قال الربّ سبحانه:-

{— وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [سورة البقرة: 197].

وفيها فرصة للاستزادة من علم نافع يفيده في دراسته إنْ كان طالبًا، أو في حياته العامّة، وفي الفراغ سبب لتحصيل رزق يسدّ به حاجته وحاجة مَنْ يعول، أو مَنْ يحتاج من المسلمين.

 

وخيرُ سبيل للتخلّص من الفراغ وحماية النفس عن شغله بالباطل هو المبادرة في استثماره وقد قيل:-

(وَنَفْسُكَ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْحَقِّ، وَإِلَّا شَغَلَتْكَ بِالْبَاطِلِ) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/125).

وكما يقال أحيانا في المصطلح العسكري:-

خير وسيلة للدفاع، الهجوم.

فلا يكفي أنْ يحاول الإنسان منع نفسه عن الخوض في أسباب الباطل وما أكثرها الآن مع توافر وسائط الاتصال والإعلام في شتّى أنواعه، ففي الوجه الآخر من هذه الوسائل استغلالها في نشر المعرفة والعلم النافع والطرفة البريئة والقصص الهادفة وكلّ ما لا يؤدي إلى السيئات أو ضياع الوقت بما لا ينفع.

وعلى الذي يتصدّى لهذا الأمر أنْ لا يجعل ما ينشره على وتيرة واحدة بل يتنقّل في المواضيع التي ذكرتها، فحضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام كان يتخوّل الصحابة رضي الله تعالى عنهم في المواعظ كما أخبر سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله:-

(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

وحضور المجالس المفيدة كمجالس الذكر والعلم أو التي ينظّمها بعض الأحباب والأصدقاء فيما بينهم وطرح بعض المواضيع المفيدة أو التسلية المباحة لا شكّ فيه طرد لنزغات الشيطان الذي يحاول صرف فكر وهمّة الشاب المسلم إلى الباطل، فأرجو الله جلّ جلاله وعمّ نواله أنْ يوفّقك ويرفع همّتك لما تصبو إليه من نيّة صادقة لإصلاح شأن إخوانك.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.