2014/11/13
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وَبَارك بعُمُرِكُم سيّدي وعملكم ومكّنكم من خدمة دينه الحنيف / سيّدي أحيانا أنسى بدون قصد أنْ أقرأ سورة أو آيات بعد قراءة سورة الفاتحة في الصلاة فما حكم ذلك؟ وهل صلاتي صحيحة؟ وجزاكم الله تعالى خير الجزاء.
الاسم: صالح علي
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وبارك فيكم على هذه الدعوة، وشكرا لكم على تواصلكم مع هذا الموقع المبارك، وحسن ظنّكم بي.
أمّا قراءة شيء من القرآن الكريم في الصلاة فهي واجبة لقول الله جلّ في علاه {— فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ —} [المزمل: 20]، ولما روي عن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ، فَارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فالقراءة من أركان الصلاة، ويتحقق عند السادة الحنفية رحمهم الله تعالى بقراءة آية من القرآن الكريم، لعموم قوله جلّ وعلا في الآية الشريفة المتلوة أعلاه، وأدنى ما يسمّى المرء به قارئا في العُرف أنْ يقرأ آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار، والإمام أبو حنيفة رحمه الله عزّ وجلّ يحتج بالآية من وجهين:
أحدهما: أنّه أمرٌ بمطلق القراءة، وقراءة آية قصيرة قراءة.
والثاني: أنّه أمرٌ بقراءة ما تيسّر من القرآن، وعسى أنْ لا يتيسّر إلا هذا القدر.
وأمّا قراءة الفاتحة فإنّها واجبة لكنها ليست بركن لثبوتها بخبر الواحد الزائد على الآية الكريمة {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} والزيادة الثابتة بالخبر الصحيح يجب العمل بها لكنّها لا تكون ركنا، ومن أجل ذلك قالوا بوجوبها. ولقول النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم لذلك الرجل (— ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن)، ولو كانت قراءة الفاتحة ركنا لعلّمه إياها لجهله بالأحكام وحاجته إليها.
وقول النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (إنّه لَا صَلاةَ إلا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ) الإمام أبو داود رحمه الله الغفور الودود، محمول على نفي الفضيلة.
ثمّ إنّ كلّ آية من الفاتحة واجبة، ويسجد للسهو بترك أيّ آية منها.
والاكتفاء بقراءة سورة الفاتحة مكروه كراهة تحريمية، إذ أنّ ضمّ سورة أو آيات معها واجب، وقيل هي سنّة، ومحلّ ضمّها مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كلّ فرض، وفي جميع ركعات النفل والوتر.
ويضم إلى الفاتحة سورةً قصيرةً – كسورة الكوثر – أو ما يقوم مقامها من ثلاث آيات قصار نحو قوله تعالى {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 1 – 3]، أو آية طويلة تعدل ثلاث آيات قصار، وقدّروها بثلاثين حرفا كقوله جلّ وعلا {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].
أمّا الجمهور فقد قالوا: يُسنّ قراءة شيء من القرآن بعد سورة الفاتحة في الصلاة، فإنْ لم يقرأ أجزأته صلاته، فعن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (فِي كُلِّ صَلاَةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ القُرْآنِ أَجْزَأَتْ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى، والراجح هو قول الجمهور.
وقد اتفق الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّ محلّ القراءة هو الركعتان الأوليان من صلاة الفرض، لحديث سيّدنا أبي قتادة رضي الله تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مَا لاَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي العَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
ويُسنّ تطويل القراءة في الركعة الأولى على الثانية عند الجمهور للحديث السابق، ولعلّ السبب في ذلك ما ذكره الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى حيث قال: (قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّشَاطَ فِي الْأُولَى يَكُونُ أَكْثَرَ فَنَاسَبَ التَّخْفِيفُ فِي الثَّانِيَةِ حَذَرًا مِنَ الْمَلَلِ) فتح الباري (2/ 244).
وقال أيضاً: (وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يُطَوِّلَ الْإِمَامُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَكْثُرَ النَّاسُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ) فتح الباري (2/ 244).
ثمّ إنّ على المسلم أنْ يتوجّه بقلبه إلى الله تعالى، خاشعا متذللا متدبرا، قال الحق سبحانه {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 – 2].
وعن سفيان الثوري رحمه الله جلّ جلاله قال (يُكْتَبُ لِلرَّجُلِ مِنْ صَلَاتِهِ مَا عَقِلَ مِنْهَا) وعلى المصلي أنْ يحرص على تدبّر ما يقرأ وأنْ يسمع نفسه ويتأنى في تلاوته ويقرأ آيات جديدة في كلّ صلاة فتعينه على الخشوع وعدم شرود الذهن بإذن الله تعالى، بل ذهب العلماء رحمهم الله تعالى ورحمنا معهم إلى ضرورة قراءة المصلي ما أمكنه في الصلاة ؛ لأنّه أفضل أحوال العبد؛ ولأنّه ورد في بعض الآثار أنّ القراءة فيها تضاعف على القراءة خارجا عنها، حتى أنّ السلف رحمهم الله جلّ جلاله كانوا يستحبون أنْ يختموا في ركعات النفل لِمَا لها من الأجر والفضل.
والله عزّ وجلّ وأعلم.