2014/11/17
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أسأل الله عزّ وجلّ أنْ يحفظكم ويرعاكم ويكرمكم ويجعل موقعكم المبارك منارا للعالمين برحمته إنه أرحم الراحمين.
سيّدي الكريم سؤالي هو:- ما حكم الاحتفال بالسنة الهجرية؟
وجزاكم الله تعالى كل خير.
الاسم: أم محمد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكر تواصلكم مع هذا الموقع المبارك ودعواتكم الطيّبة، وأسأل الله جلّ جلاله وعمّ فضله ونواله أنْ يكرمكم بما هو أهله إنّه سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة.
قال الملك القدوس تبارك شأنه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم عليه الصلاة والسلام/5]. إنَّ تذَكُرَ واستذكار أيّام الله تعالى في خلقه منهج قرآني، وأيام الله سبحانه هي نعمه ونقمه في الأمم فقد حثّت النصوص القرآنية على ذلك, قال مدَّبر الأمور ومصرّف الدهور تقدَّست ذاته العلية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب: 9، 10].
إنّ الله جلّ وعلا يذكّر في هذه الآيات بما حدث في غزوة الأحزاب وقد أرسل مددا للمسلمين جنودا مِن الملائكة, فذكر نعمة الله على العباد مطلوب، وتذكير المسلمين بأحداث التاريخ الإسلامي مطلوب حيث يتضمّن الكثير من العظات والعبر والدروس, بل قد نصّ القرآن على استذكار أهميّة الهجرة إلى المدينة وأمر باستحضارها فقال المنّان جلّ جلاله وعم ّنواله {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال /26 ]، كما أنَّ ربط الناس بحوادث الزمان العظام منهج نبويّ، فقد روى الإمام البخاري عن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله سبحانه عنهما قال (قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟، قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ).
وقد فقه الصحابة رضوان الله سبحانه عليهم أجمعين هذا المنهج وفهموا مقصد الحبيب المعظّم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم فكانوا يستحضرون تلك المعاني في مجالس خاصة بمثل هذه الأمور, فعن سيّدنا أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال (خَرَجَ مُعَاوِيَةُ، عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: آللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِكَ، قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟ قَالُوا: آللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَإِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ شأنه.
والمانعون يستدلون بما يلي:
1- بما قاله سيّدنا رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ تعالى وَسَلمَ عَليْهِ وآله وصحبه ومَنْ والاه (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا ليْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) الإمام البخاري رحمه ربنا الباري، والاحتفال ليس من الدين فهو رد ومعنى أمرنا في الحديث شرعنا أو ديننا. والجواب: إنّ الحديث بمنطوقه يدلّ على أنّ كلّ عمل ليس عليه أمرُ الشارع فهو مردود ويدلّ بمفهومه على أنّ كلّ عمل عليه أمرُهُ فهو غير مردود، فهو لم يقل من أحدث في أمرنا هذا شيئاً فهو رد, فالمعنى إذاً:- أنّ مَنْ كان عمله خارجا عن الشرع ليس متقيّدا به فهو مردود، وأعمال العاملين كلهم ينبغي أنْ تكون تحت أحكام الشريعة فتحكم عليها بأمرها ونهيها، فمَنْ كان عمله جاريا تحتها موافقا لها فهو مقبول، ومَنْ كان خارجا عن ذلك فهو مردود. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله جلّ وعلا في الفتح (وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْدُودٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَقَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِهِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ اخْتَرَعَ مِنْ الدِّينِ مَا لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ)، والاحتفال هو من أمرنا وهو مِنْ دين الله تعالى وهو مِنْ شأننا وتشهد له الأصول، ثمّ إنّ كلمة أمرنا تحتمل معنى آخر وهو ما أمر به النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، أي: مَنْ أحدث بأوامرنا ما ليس منها فزاد فيها فجعل الأمر المحدث ممّا أمر به النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وهو لم يأمر به, إلا إنّ تفسير الأمر بالدين أولى لرواية الإمام البغوي رحمه الله تعالى (مَنْ أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردّ).
2- وبحديث سيّدنا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهما قَال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَليْهِ وسَلّمَ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالةٌ). وفي رواية (وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار) الإمام مسلم رحمه الله تعالى المنعم, والاحتفال مِنْ الأمور المحدثة فهو بدعة. والجواب ما ذكره الإمام ابن حجر رحمه الله تبارك اسمه في فتح الباري إذ قال: (وَالْبِدْعَة أَصْلُهَا مَا أُحْدِثَ عَلَى غَيْر مِثَالٍ سَابِقٍ, وَتُطْلَقُ فِي الشَّرْع فِي مُقَابِلِ السُّنَّةِ فَتَكُونُ مَذْمُومَةً، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْت مُسْتَحْسِنٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ حَسَنَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَقْبَحٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ مُسْتَقْبَحَةٌ وَإِلاّ فَهِيَ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ وَقَدْ تَنْقَسِمُ إِلَى الأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ).
3- أنّ تلك الاحتفالات لم يفعلها النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ولا الصحابة ولا التابعون رضوان الله عليهم، وإنّما حصلت فيما بعد، وأنّه لو كان فيها خير لفعلوها، وأنّه لو كان من الشرع لأمر بها صاحب الشرع صلى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وآله وصحابته. والجواب: إنّ المقرّر عند علماء أصول الفقه رحمهم الله تعالى أنّ عدم الفعل لا يدلّ على عدم المشروعية.
4- أنّ الاحتفال عبادة والعبادات مبنيّة على التوقيف. والجواب: إنّ العبادات قسمان: الأوّل: عبادات مخصوصة هي الصلاة والزكاة والصوم والحج. والثاني: عبادات عامّة مطلقة غير مقيّدة وهي باقي أمور الحياة، فالقول بإطلاق أمور العبادات العامة أنّها مِنَ الأمور التوقيفية غير دقيق وإنّما هو للعبادات المخصوصة وليس مِنْ أمور العبادات العامة، وإلا لزم في كلّ خطوة مِنْ أمور الحياة أنْ يكون هناك نصّ توقيفي وهذا لا يقول به أحد مِنَ العلماء, وأحكام المباح ليست مِنْ أحكام الأمر والنهي، لأنّ الأمر القرآنيّ والنبويّ متعلّق بالفرائض والواجبات والسنن، والنهي متعلّق بالحرمة والكراهة، والاحتفال بالمصطلح الحديث هو مِنَ المباحات، وليس مِنَ الأوامر والنواهي، والمباحات ينظر في حكمها إلى أجزائها وتفصيلاتها، فإنْ كان أيُّ جزءٍ فيها محرّماً فتُحَرَّم، وإنْ خَلَتْ مِنَ التحريم أصبحت حلالاً. إذاً الاحتفال بالمناسبات الدينية في أصله مِنَ المباحات، وهي تتحول إلى عبادات بالنيّة، بل إنّ أجزاء هذه الاحتفالات كلها ممّا ندب الشرع إليه مِنْ وعظ وتذكير ومدح وإنشاد وإطعام للطعام, فإنْ كان هناك منكر مجمع على إنكاره فلينكر بالحكمة والموعظة الحسنة, ومَنْ شاء فليحتفل ومَنْ لم يشأ فلا، لكنْ مِنْ غير إنكار وتبديع وتضليل. وأرى أنّ الأولى أنْ لا تسمّى هذه الاحتفالات عيداً وإنْ كانت اللغة تساعد على ذلك, حتى لا تختلط المفاهيم، مع أنّ الناس لا يعتقدون إلا بعيدي الفطر والأضحى, وإنّما تسمّى يوم كذا أو مناسبة كذا أو ذكرى كذا ومصطلح الذكرى أقرب إلى المصطلح القرآني الذي أمر بالتذكر.
وصلِّ اللهمّ على مَنْ بمقدمه تشرّفتْ أرض المدينة وحلّت فيها الأنوار والسكينة سيّدنا مُحمّد وعلى آله وأصحابه ما جرى بحر وسارت به سفينة، وحلّقت طائرة تحمل قلوبا بحب المدينة متيّمة سجينة.
والله جل ّثناؤه أعلم.