2014/11/21

السؤال:

السلام عليكم ورحمته الله وبركاته.

فضيله الشيخ أسأل الله العلي القدير أنْ تكون بأحسن حال وأنْ يوفقكم في هذا الموقع المبارك.

فضيله الشيخ أنا والحمد لله كنت محافظاً على صلاه الصبح جماعة في المسجد ومنذ ٣ سنوات. ولكن في الفترة الأخيرة وكما تعلمون بأحوال العراق قد فرض حظراً للتجوال ليلاً بسبب هجمات ما يسمّى بـ (داعش) ولكن والحمد لله مركز مدينة كركوك آمن تماماً ولكن ما يمنعُني ليس حظر التجوال ولكن أمي فهي تخاف عليّ من خطر الطريق علما أنّ المسجد يبعد عن بيتنا دقيقتين بالسيارة و١٣ دقيقة مشياً على الأقدام وعندما أذهب إلى المسجد تزعل مني وتقول صلِّ معي في البيت. وأنا لا أرى خطراً عليّ فالطريق آمن ويوجد كثير من رجال الشرطة. وإني أحبّ صلاة الجماعة وخصوصاً الصبح وكثيراً ما أرى في المنام أني أصلي صلاة الصبح في المسجد وقبل أيام عاتبني إمام المسجد فقال: لماذا لا تصلي معنا صلاة الصبح؟ ولم أستطع الرد. وأنا مؤمن بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمعناه الذي يصلي الفجر جماعة فهو في ذمة الله. فيا فضيله الشيخ أيّهما أفضل هل أصلي في المسجد أم اُرضي والدتي؟ مع الشكر الجزيل وآسف على الإطالة.

 الاسم: محمد رشيد

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الرحيم الرحمن جلَّ جلاله وعمَّ نوالهُ كلَّ خيرٍ على دعائك الطيّب المبارك ولك بمثلهِ.

وبعد: فإنَّ صلاةَ الجماعةِ في المساجدِ مِنَ الأعمال الصالحة والقُرباتِ الواضحة، فمَهما أمكنكَ الحفاظ عليها فهو أولى ولو صَحبَ ذلك شيءٌ مِنَ المَّشقَّة، فإنَّ فضلَ ذلكَ عظيمٌ، وليستِ الجماعةُ في المسجدِ واجبةً على الراجحِ مِنْ أقوالِ العُّلماء رضيَ اللهُ تعالى عنْهم وعنْكم، وعليهِ فإنْ شقَّ عليكَ حضورُها في المَّسجدِ فاحرصْ على أدائِها جماعةً ولو مَعَ بعضِ أهلِكَ في البيتِ، قالَ الإمامُ ابنُ قدامَةَ رحمهُ اللهُ تعالى في المُّغنِي: (ويجوز فعلها – أي الجماعة – في البيت والصحراء)، وقيلَ: إنَّ حضورَ المَّسجدِ واجبٌ إذا كانَ قريباً منهُ، لما رويَ عَنِ النبيِّ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وصحبهِ وسلم أنَّهُ قالَ: (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِي رحمه الله تعالى.

ودليلُ عدم وجوبها في المسجد قولُ النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيَّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ – وَفِي لَفْظٍ : فَعِنْدَهُ طَهُورُهُ وَمَسْجِدُهُ – وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيْتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) متفق عليه، ولبيانِ فضلِ صلاةِ الجَّماعةِ أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (891) في هذا الموقعِ المبارك.

ومِنْ هنا أودُّ أنْ أُذكِّرَ أبناءَنا وإخوانَنا مِنَ الأئمةِ والخطباءِ (حفظهم الله تبارك تعالى) بوجوبِ حُسنِ الظنِّ بإخوانِهم المُّصلينَ والتماسِ الأعذارِ لهُمْ.

ولا يجوزُ قِياس أحوالكم بأحوالهم لأنّكم غالبا تكونون من سكّان المساجد أو قريبين عليها.

فإذا لمْ يكُنْ خوفُكم وشفقتُكم عليهم مساوياً لخوفِ وشفقةِ الوالدينِ فعلى الأقلِ أنْ تأخُذوا الأيسرَ مِنَ الأمرِينِ طالما كانَ في الأمرِ مُتسعٌ، وهذا هو منْهجِ الرَّؤوفُ الرَّحيمُ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبِهِ الأبرارِ وسلّم تسليماً كثيرا، فعَنْ أمِّ المُؤمنين سيِّدتِنا عائشةَ رضي اللهُ تعالى عنْها أَنَّهَا قَالَتْ (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

أمَّا بِخصوصِ طاعةِ الوالدينِ الواجبةِ فهي مقيّدةٌ بالمعروفِ، وفي غيرِ معصيةِ اللهِ سبحانه، ممَّا فيهِ نَفْعُهما ولا ضررَ فيهِ على الولدِ, أمَّا ما فيهِ ضررٌ عليهِ سواءٌ كانَ ضرراً دينياً كأنْ يأمراهُ بتركِ واجبٍ أو فعلِ مُحَرّمٍ فإنَّهُ لا طاعةَ لهما في ذلكَ, أو كانَ ضرراً دنيوياً فلا يجبُ عليهِ طاعتهما، وعلى هذا فطاعةُ الوالدينِ بالمعروفِ لازمةٌ ولو مَعَ وجودِ المشقَّةِ.

أمّا بخصوصِ شفقةِ الوالدةِ (حفظَها اللهُ تعالى) عليكَ، فالشَّفَقَةُ نوعانِ: محمودةٌ ومذمومةٌ.

فالمحمودة:- صورها كثيرة ومنها ما ذكر الله جلّ وعلا في كتابه {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [المعارج: 27، 28]، إذا فهمنا من الآية الكريمة الشفقة على أنفسنا من عذاب الله عزّ وجلّ أو على أهلينا وأحبابنا وحتى على بني جنسنا فهي من المحمودة وغيرها كثير لا تخفى على ذوي الفطنة.

أمّا المذمومة:- وهو ما يحصلُ بِسببِها تعطيلٌ لشرعِ اللهِ تعالى، أو تهاونٌ في تطبيقِ حدودِهِ وأوامرِهِ، كمَنْ يُشْفِقُ على مَنِ ارتكبَ جُرْمًا يستحقُ بِهِ حدَّاً، فيحاولُ إقالتَهُ والعفوَ عنْهُ، ويحسبُ أنَّ ذلكَ مِنَ الشَّفَقَةِ على الخَلقِ، وهو ليسَ مِنْها في شيء، قالَ الإمامُ الحسنُ البَّصري رحمَهُ اللهُ تعالى (إنْ منعته أُمُّه عن العشاء في الجماعة – شفقةً – لم يُطِعها)، قالَ الإمامُ العَّيني رحمهُ اللهُ تعالى: (يعني: إنْ منعت الرَّجلَ أُمُّهُ عن الحضور إلى صلاة العشاء مع الجماعة شَفَقَة عليه، أي: لأجل الشَّفَقَة. لم يُطِع أمَّه فيه.. مع أنَّ طاعة الوالدين فرضٌ في غيرِ المعصية، وإنَّما عيَّن العشاء، مع أنَّ الحُكم في كلِّ الصَّلوات سواء؛ لكونِها من أثقل الصَّلاة على المنافقين… وإنَّما عيَّن الأمَّ مع أنَّ الأب كذلك في وجوب طاعتهما؛ لأنَّ الأمَّ أكثر شَفَقَة مِنَ الأب على الأولاد)، أو كمَنْ يُشْفِقُ على الطُّلَّابِ فيتركهمْ يغشُّونَ في الامتحانِ شَفَقَة منْهُ عليهمْ أنْ يرسبوا، أو كمَنْ يَقتلُ مِنَ الأطباءِ – بدافع الشَّفَقَة – مرضاهمُ الَّذينَ لا يُرجى شفاؤهمْ، ويتألَّمونَ مِنْ مرضِهِمْ.. فكلُّ هذا ممَّا لا تجوزُ فيه الشَّفَقَة.

أمَّا إذا كانتْ الوالدةُ تمنعُ ولدَها مِنْ حضورِ الجَّماعةِ في المَّسجدِ خوفاً عليهِ مِنْ أمرٍ مُتوقعِ الحدوثِ فهذا أمرٌ مشروعٌ، والخوفُ عذرٌ في تركِ الجماعةِ ‏فإنَّ النبيَّ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وصحبهِ وسلم قال:‏ ‏(مَنْ سمعَ النداءَ فلمْ يمنعْهُ مِنِ اتباعِهِ عذرٌ” -قالوا: وما العذرُ؟ قال: “خوفٌ أو مرضٌ- لم تقبلْ منْهُ الصلاةَ التي صلاها) الإمام أبو داود رحمه الله تعالى.

وفي الختام أودُّ أنْ أذكِّرَ السائل الكريم أنَّهُ طالما هناك فُسحة في هذا الموضوع فبالإمكان الأخذ بالأمرين وذلك بالصلاة جماعة في البيت مع الوالدة الكريمة (وهو جائزٌ كما ذكرت)، والسعي للحصول على موافقتها لأدائها في المسجد بالتلطّف معها ومحاولة استرضائها، واللهُ تبارك اسمه أعلم.

أسألُ اللهَ العليَّ الأعلى أنْ يتقبلَ أعذارَ المعذورينَ ويكتبَ لهمُ الأجرَ العظيمَ {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران عليهم السلام : 8].