2014/11/25

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سيّدي الشيخ سعد الله حفظك الله سبحانه وتعالى ورعاك ونفع بك الإسلام والمسلمين في كل مكان بجاه سيد ولد عدنان آمين.

ما حكم نظر الرجل المسلم البالغ العاقل للمرأة المتبرجة المظهرة لزينتها ومفاتنها على شاشات الأجهزة الإلكترونية في الأفلام والمسلسلات والمسرحيات وغيرها؟

وهل البيت أو المكان الذي يشاهد فيه تلك الأفلام وما تحوي عليه من التبرّج وإظهار المفاتن تبتعد عنه الملائكة وتقترب منه الشياطين؟

 

الاسم: محمود فؤاد

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، شكرا جزيلا على تواصلكم الطيب، ودعواتكم الصادقة، وأرجو مِنْ جنابكم الكريم حال ذكر النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا قولاً أو كتابةً المبادرة بالفوز بالصلاة والسلام عليه بأبي وأمّي ونفسي جنابه الشريف، وأرجو مراجعة الزيارتين المرقمتين (362، 369) في سجل الزوار لهذا الموقع المبارك، وأسأله عزّ وجلّ لكم دوام الموفقية والترقي.

وبعد: فلقد نهى الشرع الشريف عن النظر إلى المحرمات؛ قال الله تبارك في علاه في محكم كتابه العزيز {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ —} [الآية/30 – 31]، وقال الرحمة المهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومَةٌ فَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللَّهِ أَثَابَهُ جَلَّ وَعَزَّ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ) الإمام الحاكم رحمه الله تعالى بلطفه الدائم، ولقد عظّم النبي الكريم عليه منَ الله تعالى وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم شأن النظرة المحرّمة حتى وصفها بالزنا فتفضّل قائلاً (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ) الإمام البخاري رحمه الله تعالى الباري؛ ومِنْ هنا جاء الأمر في الآية الكريمة التي تشرّفنا بها آنفا بحفظ الفروج بعد الأمر بغضّ النظر لأنّه باب إلى الفاحشة – نعوذ بالله تعالى- وعن سيّدنا جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله تعالى عنه قَالَ (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي) الإمام مسلم رحمه الله تعالى المنعم، وذلك لما تورثه النظرة مِنْ بذور الفتنة والشهوة التي تفسد القلب حتى يُدمن عليها فيغدو قلباً مظلماً قد انطفئت بصيرته وضعُفت همّته، وقديماً قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم (مَنْ حَفِظَ بصرَهُ أورثه اللهُ نورًا في بصيرته)، وعليه ينبغي على المسلم أنْ يُجاهد نفسه في ذلك، ويشكر الله عزّ وجلّ على نعمة البصر؛ وأوّل أفعال الشكر غضّ بصره عمّا حرّم الله جلّ في علاه؛ ولقد (قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تَغَارُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغَارُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ غَيْرَتِهِ نَهَى عَنْ الْفَوَاحِشِ) الإمام أحمد رحمه الله تعالى الممجد.

والنظر إلى المحرّمات واحدٌ سواء كان حقيقة أو عبر الأجهزة الإلكترونية المتنوعة أو الصور الفوتوغرافية أو المرسومة؛ فعِلّةُ التحريم في الجميع سواء، فهو يبعث هيجانَ الشهوة المحرّمة وما قد يتبع ذلك مِنَ الجنوح إلى ما هو أعظم ممّا حرّمه الشرع الشريف؛ وعليه ينبغي للمسلم أنْ يتحرّى ما يُشاهد بما يُوافق الضوابط الإسلامية المباركة، ويبتعد عن المحرّمات والمكروهات ممّا يُعرَض بغضّ النظر عن نوع العرض فِلْماً كان أم غير ذلك؛ لكي نصون قلوبنا، ونكون قدوة حسنة لأبنائنا الذين يُقلّدون ويقتدون بآبائهم فيما يفعلون.

ولا شكّ أنّ القلب الذي يمتلئ بحب هذه الصور المحرّمة سيكون قلباً مظلماً محجوبا لا يصلح لتلقي الأنوار والبركات، ويبعد عن الخشوع والحضور مع ربّ الأرض والسموات، ويفقد الشعور بطعم الطاعات والقربات، كما أنّ البيت الذي يعج بالأغاني والمسلسلات الواحدة تلو الأخرى وما يعرض فيها من الصور والمغريات تبتعد عنه ملائكة الرحمة المباركون الذين يبتغون مواطن الذكر والذاكرين؛ قال الصادق الأمين عليه من الله تعالى وآله وصحبه الطيبين أفضل صلاة
وتسليم إلى يوم الدّين (إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ فُضُلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ فَإِذَا وَجَدُوا أَقْوَامًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ فَيَجِيئُونَ فَيَحُفُّونَ بِهِمْ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا، وإذا خلا قلبٌ أو بيتٌ مِنَ الملائكة بأنوارهم وبركاتهم حضرته الشياطين بوساوسهم وظلماتهم – نعوذ بالله جلّ جلاله – ذكر الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى في مصنّفه عن ابن سابط رحمه الله سبحانه قال: (إِنَّ الْبُيُوتَ الَّتِي يُقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنُ لَتُضِيءُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تُضِيءُ السَّمَاءُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي لَا يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ لَيَضِيقُ عَلَى أَهْلِهِ، وَتَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ، وَتَنْفِرُ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَإِنَّ أَصْفَرَ الْبُيُوتِ لَبَيْتٌ صُفِّرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ).

ومِنَ الجدير بالذكر أنّه قد يحتاج المرء إلى معرفة أخبار الشعوب أو الاطلاع على بعض الأفلام العلمية أو الوثائقية المهمّة والنافعة في زيادة التأمّل والتدبّر لآيات الله تبارك وتعالى في النفس والأكوان والأحوال، قد تتضمّن صورا محرّمة، فلا أقول هنا إنّ الملائكة ستغادر المكان لذلك؛ فالعبرة بتحرّك القلب وتغيير النيّة؛ ومِنْ هنا (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ) الإمام أبو داود رحمه الله الغفور الودود، قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى (وَهَذَا لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ يَحْضُرْهَا الْقَلْبُ، وَلَا يَتَأَمَّلُ بِهَا الْمَحَاسِنَ، وَلَا يَقَعُ الِالْتِذَاذُ بِهَا، فَمَتَى اسْتَدَامَهَا مِقْدَارَ حُضُورِ الذِّهْنِ كَانَتْ كَالثَّانِيَةِ فِي الْإِثْمِ) غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب للشيخ محمد بن أحمد بن سالم السفاريني رحمه الله تعالى، ولأنّ الصور الظاهرة على الشاشة ليس من فعلك أيّها المبارك ولم يطرأ على فكرك أنْ تقصدها بالذات فلذلك أطمع في رحمة ربي عزّ وجلّ أنْ تعمّنا وبيوتنا، ويخفّف سبحانه وتعالى عنّا آثار ما ابتُلينا به في هذا العصر، وظنّي بالله الرحمن الرحيم اللطيف الغفور جلّ في علاه التخفيف على عباده لأنني لو قلت: إنّ الملائكة تفرّ بسبب هذه الصور فقد لا نرى ملَكاً حتى في مساجدنا – عياذا بالله تبارك وتعالى – إذ لا تخلو من إنسان يحمل هاتفا نقّالا قد أثبت على شاشته صورا، وقد يشغله وهو في حال انتظار الصلاة أو بعدها إلا في النادر، والنادر لا حكم له كما هو معلوم، بل هنالك مساجد تستخدم الشاشات لإيصال صورة الخطيب أو الإمام إلى أطراف المسجد أو القاعات الملحقة به.

على أنني ما زلت أرى الموضوع بحاجة ماسّة إلى دراسة مستفيضة أسأل الله تبارك وتعالى أنْ يقيّض لها أهلها، وبالجملة ينبغي للعبد مراقبة قلبه في النظرات التي يضطر إليها؛ خاصة ونحن نعيش في عالم قد أبتُلِيَ بالاختلاط والسفور وكثرة الصور وتنوّع عرضها وتعدد وسائلها، وهذا ممّا عمّ به البلوى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (1288، 1643) في هذا الموقع الكريم.

والله تبارك اسمه أعلم.