2014/11/27

السؤال:

السلام عليكم شيخي الحبيب سيّدنا الشيخ سعد الله عارف حفظكم الله تعالى ونور قلوبنا بتوجهاتكم الروحية المباركة، سيّدي نرى مرات في مواطن متعددة أناسا أشبه بالمجانين وثيابهم وشعورهم غاية في عدم النظافة وخصوصا في الأسواق ويتخذون الأرصفة في الأسواق سكنا لهم، والناس منقسمون فيهم إلى فريقين: منهم مَنْ يصفهم بأنّهم جذبات وهؤلاء هم الشعث الغبر الموصفون بحديث (لو أقسم على الله لأبرّه) وأنّهم أصحاب خوارق وكرامات وأعطوا بعض معرفة بالغيبيات، وفريق يصفهم بأنّهم مجانين والدين أطهر مِنْ أنْ يُنسب له هؤلاء، فما موقف الشرع منهم؟ وجزاكم الله تعالى كلّ خير.

الاسم: سعد

الرد:

وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُهُ، أسألُ اللهَ العليَّ الأعلى أنْ يحفظَكُمْ وجميع أمَّةِ الحبيبِ المُصطفَى صلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليهِ وآلهِ الأطهارِ وصحابتِهِ الأبرارِ.

وبعد: قالَ ربُّنا الكريمُ المُنْعمُ جلَّ جلالَهُ وعمَّ نوالَهُ {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف : 31].

قدْ حثَّ الإسلامُ على النَّظافةِ كالاغتسال والاستنجاء والوضوء والاستياك وغيرها من الأحكام الشريفة التي تشرّع لإشاعة الطهارة ومبادئ التجمّل في جملة من النصوص الكريمة.

ومنها:- قولُ سيِّدِنا رسولِ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلم (إِنَّكُمْ قَادِمُونَ غَدًا عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ) الإمام الحاكم رحمه الله تعالى.

وقولُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وآله وصحبه الكرام (إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) متفقٌ عليهِ.

وعَنْ سيِّدِنا جابر بن عبدِ اللهِ رضي اللهُ عنْهما قالَ (أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ، فَقَالَ: أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ، وَرَأَى رَجُلًا آخَرَ وَعَلْيِهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ، فَقَالَ: أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ) الإمام أبو داود رحمهم الله الغفور الودود سبحانه.

ولمعرفةِ أثرِ النظافةِ وأهميتِها في حياةِ المُسلمِ أرجُو الاستماعَ إلى المُحاضرةِ رقم (41) في التفسير الموضُوعِي مِنْ قسمِ الصوتياتِ في هذا المُوقعِ المُباركِ.

إنَّ للهِ عباداً اختصهم تباركَ وتعالى بمنزلة وفضيلة ليست لغيرهم مِنَ النَّاس، ومِنْ هؤلاء مَنْ أخبر عنه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بقوله (رُبَّ أشعثَ مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وفي رواية أخرى قال (كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ مِنْهُمُ البَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

وأشعث من صفات الشعر، وشعره أشعث يعني ليس له ما يُدهنُه به، ولا ما يُرجِّلهُ، ولا يهْتم بمظهرهِ، وأغبر يعني أغبر اللون، أغبر الثياب، وذلك لشدّة فقره، مدفوعٌ بالأبواب: يعني ليس له جاه، إذا جاء إلى النَّاس يستأذن لا يأذنون له، بل يدفعونَهُ بالباب؛ لأنَّهُ ليست له قيمةٌ عنْدَهم لكنّها ثابتة عنْدَ ربَّ العالمين سبحانه، لو أقسم على الله لأبرّه، أي لو قال: والله لا يكون كذا لم يكن، والله ليكونَنَّ كذا لكان، لكرامته عند الله عزّ وجلّ ومنزلته، وقال أيضاً  صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

الضعيف هو الذي يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا، أو معناه رقة القلوب ولينها وإخباتها للإيمان.

والمتضعِّف المتواضع الليّن.

والعتل الجافي الشديد الخصومة بالباطل، وقيل: الجافي الفظ الغليظ.

والجوّاظ فهو الجموع المنوع، وقيل: الكثير اللحم المخ
تال في مشيته، وقيل: القصير البطين، وقيل: المتفاخر.

وأما المستكبر فهو صاحب الكبر، وهو بطر الحق وغمط الناس.

وتفاضُلُ النَّاس إنَّما هو بمعيارٍ واحد هو التقوى قال اللهُ سبْحانَهُ وتعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات : 13]. فمَنْ كان أتقى لله فهو أكرم عنده جلّ في علاه، ييسّر له الأمر، ويجيب دعاءه، ويكشف ضرّه، ويبرّ قسمه وهذا الذي أقسم على الله تعالى لن يقسم بظلم لأحد، ولن يجترئ على الله سبحانه في ملكه، ولكنَّهُ يقسم عليه فيما يرضيه ثقة به عزَّ وجلَّ.

إذاً التقوى هي التي تُميِّزُ في قرب العبد مِنْ ربِّهِ ذي الفضلِ والإحسانِ جلَّ جلالَهُ وعمَّ نوالَهُ وليس الثوب أو المظهر كما يتصور كثيرٌ مِنَ النَّاسِ مع أنَّ الإسلام حثَّ المُسلم على الأناقةِ والجمالِ في ملبَسِهِ، قال نبيّنا الأكرم صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآلهِ وصحبهِ وَسَلَّمَ (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وقد يكون غير الشُعْثِ الغُبْرِ أقربُ منزلةً عِنْدَ الله سبْحانَهُ وتعالى مِنْ غيرهِم.

صحَّ (أَنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّةَ أَنَسٍ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَى الْقَوْمِ الْعَفْوَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الْقِصَاصُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَكْسِرُ ثَنِيَّةَ فُلَانَةَ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ، قَالَ: فَقَال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ فُلَانَةَ، قَالَ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ أَبَرَّهُ) الإمام أحمد رحمهُ اللهُ جلّ في علاه، مع أنَّ سيَّدنا أنس رضي الله تعالى عنهُ لم يكن مِنَ الشُعْثِ الغُبْرِ.

ذكرَ الإمامُ المناوي رحمهُ اللهُ تعالى في فيضِ القديرِ (أنَّ الحافظ ابن حجر لمَّا كان قاضي القضاة مرَّ يوماً بالسوقِ في موكبٍ عظيمٍ وهيئةٍ جميلةٍ فهجمَ عليهِ يهوديٌّ يبيعُ الزيتَ الحارَ وأثوابهُ مُلطخةٌ بالزيتِ وهو في غاية الرثاثةِ والشناعةِ فقبضَ على لجامِ بغلتِهِ وقال: يا شيخ الإسلامِ تزْعُمُ أنَّ نبيَّكُمْ قالَ: الدنيا سجْنُ المُؤمِنِ وجنَّةُ الكافرِ فأيّ سجنٍ أنتَ فيهِ وأيّ جنَّةٍ أنا فيها؟ فقال: أنا بالنسبةِ لِمَا أعدَّ اللهُ لي في الآخرةِ مِنَ النَّعيمِ كأنِّي الآنَ في السجنِ، وأنتَ بالنسبةِ لِمَا أُعِدَّ لكَ في الآخرةِ مِنْ العذابِ الأليمِ كأنَّكَ في جنَّةٍ، فأسلمَ اليهوديّ).

وقد يكونُ الرجلُ أشعثَ أغبَرَ لكنَّهُ أبعد النَّاس عَنْ اللهِ سبْحانهُ وتعالى، قَالَ سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعالَى وَسَلَّمَ  عَلَيْهِ وآلهِ وصَحْبهِ وَمَنْ وَالاه (أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ) الإمام مسلم رحمه الله المنعم عزّ شأنه.

وكما أنَّ اللهَ جلّ جلاله يحبُّ الجمالَ، أيضاً يُحبُ أنْ يرى مِنْ عبدهِ التذلل والانكسار في بعض الأحيان كما جاءَ في الحديثِ القدسي (إنّ الله يباهى ملائكته بأهل عرفة يقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحِّين، فلا يُرى أكثر عتيقاً مِنْ يومئذ ولا يُغفر فيه لمختال) الإمام عبد الرزاق رحمه الله تعالى في مصنفه.

الذين تسأل عنهم أيّها المبارك يُترك أمرهم إلى الله سبحانه كما حثَّ عُلماؤنا رضي الله تعالى عنْهم وعنكم ولا يجوز للمسلم أنْ يقتدي بهم.

والصورةَ التي ذكرتَها في سؤالِكَ إمَّا أنْ تكونَ لأناسٍ يتصنعونَ مثلَ هذهِ الأمور لكسب العيش مثلاً، أو حقيقةً همْ مصابونَ بأمراضٍ قد تكون عضوية أو
نفسيةً وفي مثل هذه الحالةِ فإنَّ سيّدنا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعالَى عَلَيْهِ وآلهِ وصَحْبهِ وَسَلَّمَ علَّمنا إذا رأينا المُصاب أنْ نتذكر نعمة الله عزّ وجلّ علينا ونقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، قَالَ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه (مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران عليهم السلام: 8].

والله تبارك اسمه أعلم.