2015/01/23

السؤال:

السلام عليكم سيّدي الشيخ سعد الله عارف حفظكم الله عزّ وجلّ، سيّدي متى يكون الأذان الأول للجمعة، هل عند دخول وقت الظهر أم قبله؟ وإذا كان قبله هل الصلاة التي تصلى بعد الأذان تسمّى سنّة قبلية؟ وجزاكم الله خير الجزاء سيّدي الحبيب.

 

الاسم: سعد

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله عزّ وجلّ خيرًا على دعائك ولك بمثله.

أمّا بالنسبة للأذان الأوّل فقد روى الإمام البخاري رحمه ربُنا تعالى الباري عَنْ سيدنا السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رضي الله تعالى عنه قَالَ:-

(كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ).

والزَّوْرَاءُ مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ بِالْمَدِينَةِ، وسمّى الأذان الزائد ثالثا، باعتبار أنَّه زاده على الأذان والإقامة.

والذي نصّ عليه الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

أنّ الأذان الأوّل للجمعة يكون وقته عند الزوال قبل خروج الإمام، وعلّلوا ذلك بأنَّه يكون للإعلام بدخول الوقت، والأذان الثاني يكون بين يدي الخطيب حين يجلس على المنبر، قال الإمام العيني في شرحه لسنن الإمام أبي داود رحمهما الله سبحانه:-

(قَالَ القَاضِي عَبْدُ الوَهَابِ فِي المَعُوْنَةِ: لِلْجُمُعَةِ أَذَانَان، أَحَدُهُمَا عِنْدَ الزَّوَالِ، وَهُوَ الّذِي أُحْدِثَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ، وَاحْتِيْجَ إِلَى زِيَادَةٍ فِي إِعْلَامِهِمْ، وَالآخَرُ عِنْدَ جُلُوْسِ الإِمَامِ عَلَى المِنْبَرِ) (4/426).

وفي الشرح الكبير للإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى:-

(وَالنِّدَاءُ الأَوَّلُ: مُسْتَحَبٌّ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، سَنَّهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَمِلَتْ بِهِ الأُمَّةُ بَعْدَهُ وَهُوَ لِلْإِعْلَامِ بِالوَقْتِ، وَالثَّانِي: لِلْإعْلَامِ بِالخُطْبَةِ، وَالثَّالِثُ: لِلإِعْلَامِ بِقِيَامِ الصَّلَاةِ) الشرح الكبير على متن المقنع (2/188).

وقال الحافظ رحمه الله عزّ وجلّ:-

(وَتَبَيَّنَ بِمَا مَضَى أَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَهُ لِإِعْلَامِ النَّاسِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فَأَلْحَقَ الْجُمُعَةَ بِهَا وَأَبْقَى خُصُوصِيَّتَهَا بِالْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ) فتح الباري (2/394).

قَالَ الشيخ ابْنُ الْجَلَّابِ رحمه الله جلّ وعلا:-

(وَلَهَا أَذَانَانِ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الزَّوَالِ، وَالْآخَرُ عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (1/370).

ومِنَ العلماء مَنْ يرى أنَّه يؤذّن بهذا الأذان قبل الزوال قياسًا على أذان الفجر الأوّل الذي يكون في آخر الليل وليتمكّن الناس مِنَ التأهّب للخطبة والحضور قبل الإمام، لأنَّ المشروع له أنْ يحضر عند زوال الشمس.

والراجح الأوّل لعمل الأمّة عليه ولا حاجة لإرباك العوام والأمّة بهذا الرأي.

أمّا بالنسبة لسنّة الجمعة القبلية:

فإنَّ التطوّع المطلق قبل الجمعة جائز بل مستحب، سواء فعل قبل الزوال أو بعده قبل أنْ يخرج الإمام ليخطب الجمعة. وذلك لقول حضرة النبيّ صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم:-

(لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى) الإمام البخاري رحمه الحق جلّ شأنه.

وإنّما حصل الخلاف في: هل أنَّ هناك سنّة راتبة للجمعة؟ وقد حصل ارتباك كبير أدَّى إلى اضطراب النقل لدى جملة مِنْ كبار الفقهاء والمحدّثين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، بل نقل بعضهم ما يخالف المقرّر في كتب المذاهب التي نقلوا عنها، وأنا أنقل لك نصوص الفقهاء مِنَ الكتب المعتمدة للفتوى عندهم، فأهل المذهب أعلم بمسائل وأصول مذهبهم، وأهل مكّة أدرى بشعابها كما يُقال:-

جاء في كتاب الهداية وهو عمدة كتب الفتوى عند السادة الحنفية رحمهم الله تعالى ربُّ البرية:-

(وَيُصَلّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا، وَفِي رِوَايَةٍ سِتًّا، اَلأَرْبَع سُنَّة، وَالرَّكْعَتَانِ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا عَلَى حَسَبِ الاخْتِلَافِ فِي سُنَّةِ الجُمُعَةِ) الهداية (1/130).

قال الإمام النووي الشافعي رحمه الله جلّ جلاله في شرح المهذب:-

(فَرْعٌ فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ بَعْدَهَا وَقَبْلَهَا: تُسَنُّ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا صَلَاةٌ وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ قَبْلَهَا وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا وَالْأَكْمَلُ أَرْبَعٌ قَبْلَهَا وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا) المجموع شرح المهذب (4/9).

وجاء في شرح الرسالة وهو مِنَ الكتب المعتمدة للفتوى عند متأخري السادة المالكية رحمهم الله تعالى:-

((وَلْيَتَنَفَّلْ) الْمَأْمُومُ فِي الْمَسْجِدِ (إنْ شَاءَ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَقَوْلُهُ إنْ شَاءَ يُوهِمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْدُوبٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ نَدْبُ النَّفْلِ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ مِنْ الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ الْجَالِسِ وَقْتَ الْأَذَانِ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: إنْ شَاءَ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ بِخِلَافِ الْجَالِسِ عِنْدَ الْأَذَانِ) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/265).

ويلاحظ هنا أنَّه لم يحدد عدد الركعات قبل الجمعة لأنَّ الأصل عندهم أنّ السنن الرواتب غير محددة بعدد فلك أنْ تصلي قبل الفرائض ما تشاء وإنْ كان الأكمل الالتزام بالوارد ويراجع شرح الدردير في الفقه المالكي.

أمّا السادة الحنابلة رضي الله تعالى عنهم فعندهم ثلاثة أقوال في المسألة:-

الأوّل: يسنّ قبلها ركعتان.

الثاني: أربع ركعات وهذا المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله الفرد الصمد.

الثالث: يسنّ قبلها أربع أو ركعتان نفلا لا سنّة راتبة، وهو قول الأكثرين مِنْهم.

قال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه ربنا العلِّي:-

(فَأَمَّا الصَّلَاةُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ إلَّا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْكَعُ مِنْ قَبْلِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ قَامُوا فَصَلَّوْا أَرْبَعًا) المغني (2/270).

وقال صاحب الروض المربع:-

(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي -أَحْمَد بْنُ حَنْبَل- يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ رَكَعَاتٍ) الروض المربع شرح زاد المستقنع (ص: 157).

قال صاحب الإقناع:-

(وَتُجْزِئُ السُّنَّةُ (القبلية) عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، لَا عَكْسَ) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (1/146).

وقال أيضا:-

(وَيُسَنُّ غَيْرُ الرَّوَاتِبِ: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْجُمُعَةِ) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (1/146).

 

قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى:-

(فَرْع مَسْأَلَة دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ — وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنْ كَانَ صَلَّاهُمَا فِي بَيْتِهِ – ركعتي السنّة القبلية – جَلَسَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَلِّهِمَا فِي بَيْتِهِ رَكَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) المحلى بالآثار (3/278).

استدلّ المثبتون للسنّة القبلية للجمعة بما يلي:-

1- ما ورد عن حضرة المصطفى صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والوفا:-

(مَا مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ إِلَّا وَبَيْنَ يَدَيْهَا رَكْعَتَانِ) الإمام ابن حبان رحمه الله الرحمن تبارك شأنه وصححه.

وهاتان الركعتان سنّة راتبة للفريضة، فالحديث يدلّ بعمومه على مشروعية صلاة ركعتين سنّة قبل صلاة فريضة الجمعة. وليس هناك مخصص لهذا العموم، ولا يقال إنَّه مخصّص بغير الجمعة لأنَّ حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام كان إذا خرج لم يصلّهما قبل أنْ يرقى المنبر، لأنَّ العام لا يخصصه إلّا منع خاص مِنْ صلاة ركعتين أو أربع بعد الزوال قبل الأذان للخطبة، ولم يوجد ذلك.

 

2- روى الإمام أبو الحسن الخِلَعي رحمه الله سبحانه في فوائده بإسناد جيد عن سيّدنا علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه:-

(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا).

وزاد في رواية:-

(— يَجْعَلُ التَّسْلِيمَ فِي آخِرِهِنَّ رَكْعَةً) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ في علاه.

قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله عزّ وجلّ في طرح التثريب:-

(إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ).

وكذلك قال المحدّث المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير، فهذا حديث فيه تصريح بسنة الجمعة القبلية.

 

3- روى الإمام ابن ماجه رحمه الله جل َّ ثناؤه في سننه عن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:-

(جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا).

قال المجد بن تيمية رحمه الله تعالى في الأحكام:-

(رِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ).

وقال صاحب كتاب طرح التثريب رحمه الله المُجيب تبارك وتقدّس:-

(قَالَ وَالِدِي – رَحِمَهُ اللَّهُ – فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ قَالُوا فَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَأْمُورَ بِهَا لَيْسَتْ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ فِعْلَهَا فِي الْبَيْتِ لَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ فَتَعَيَّنَ أَنَّهَا سُنَّةُ الْجُمُعَةِ) طرح التثريب في شرح التقريب (3/42).

 

4- عن سيّدنا نافع رحمه الله جلَّ وعلا، قال:-

(كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَيُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.

 

5- استدلوا بما روي مِنَ الآثار عن السلف رضي الله عزّ وجلّ عنهم وعنكم، ومنها ما روى الإمام عبد الرزاق رحمه الربُّ الرزاق تعالى وتقدّس في المصنَّف بسند صحيح عن سيّدنا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه:-

(كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الجُمُعَةِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا).

وكان يأمر الناس ويعلِّمهم ذلك.

لا يقال: إنَّ هذا نفل مطلق لا سنّة راتبة للجمعة، فالنفل المطلق يرغب فيه ترغيبا عاما ولا يحتَم ولا يؤمر به أمر إرشاد بهذه العناية، وهذا التأكيد مِن سيّدنا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه له حكم المرفوع، لأنَّ الظاهر أنّه قد ثبت عنده فيه شيء مِنْ سيّدنا رسول الله صلَّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، وإلا لما أمر به.

وذكر الإمام الزيلعي رحمه ربُّنا العليّ سبحانه:-

(أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ رَوَى فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ صَافِيَةَ، قَالَتْ: رَأَيْت صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ رضي الله عنها، صَلَّتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْجُمُعَةِ، ثُمَّ صَلَّتْ الْجُمُعَةَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ) نصب الراية (2/207).

وذكره الإمام ابن حجر رحمه الله عزّ وجلَّ في الفتح، والسيدة صفية رضي الله تعالى عنها زوج حضرة النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم والغالب أنّها رأته يفعل ذلك قبل خروجه إلى المسجد.

وروى الإمام بن قدامة رحمه الله تعالى:-

(كُنَّا نَكُونُ مَعَ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ فِي الْجُمُعَةِ، فَيَقُولُ: أَزَالَتْ الشَّمْسُ بَعْدُ؟ وَيَلْتَفِتُ وَيَنْظُرُ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، صَلَّى الْأَرْبَعَ الَّتِي قَبْلَ الْجُمُعَةِ) المغني (2/270).

وسيّدنا حبيب رحمه الله تعالى مِنْ ثقات التابعين وأعلامهم حديثا وفقها.

وروى الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله جلّ وعلا:-

(عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَهَا أَرْبَعًا).

وسيّدنا إبراهيم النخعي رحمه الله سبحانه مِنْ أجلِّ فقهاء التابعين وهو أجلُّ مَنْ أخذ عن أصحاب سيّدنا ابن مسعود رحمه ربنا تبارك المعبود لا ينقل عن واحد بل ينقل نقلا عاما، وروى أيضا:-

(عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ رَكْعَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ).

وروى أيضا:-

(عَنْ طَاوُوْسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْتِي الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، حَتَّى يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ رَكْعَتَيْنِ).

 

6- الجمعة بدل الظهر في يومها فهي مثلها في راتبتها وإنْ لم تكن مثلها تماما في عدد ركعات الفريضة. ويؤخذ هذا من صنيع الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه في الترجمة:-

(بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا).

ولم يذكر شيئا عن الصلاة قبل الجمعة، كأنَّه كما حكاه الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى عن ابن المنير يقول:-

(الْأَصْلُ اسْتِوَاءُ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ بَدَلُ الظُّهْرِ) فتح الباري (2/426).

أمّا النافون فاستدلوا:-

بأنَّه كان إذا فرغ سيّدنا بلال رضي الله تعالى عنه مِنَ الأذان أخذ حضرة النبيّ صلَّى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وآله وصحابته في الخطبة، ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة، ولم يكن الأذان إلّا واحدا، وهذا يدلّ على أنَّ الجمعة كالعيد لا سنّة لها قبلها، فإنَّ حضرة النبيّ صلَّى الله سبحانه عليه وآله وصحبه وسلّم كان يخرج مِنْ بيته، فإذا رقي المنبر أخذ سيّدنا بلال رضي الله تعالى عنه في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام في الخطبة مِنْ غير فصل.

 

والجواب: إنَّ عدم رؤية صلاة النبيّ صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم لها لا يدلّ على عدمها، لما هو معروف أنّ عدم العلم بالشيء لا يدلّ على عدمه أو نفيه. فمِنَ الجائز أنَّه يصلّيها ولم يعلم به، والروايات التي تقدمت تؤيد ذلك، كما أنَّ جعل الجمعة نظير العيد فيه نظر فالجمعة فرض والعيد سنّة عند جماهير العلماء، والدليل إذا تطرّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، كيف وقد ثبت صلاتها بما ذكرتُ أعلاه.

وبعد هذا فالذي يتبيّن لي رجحان رأي المثبتين، وأنّ لصلاة الجمعة سنّة قبلية راتبة كما هو قول الجمهور.

وأُحبّ أنْ يتنبّه المسلمون إلى أنَّ الخلاف في هذه المسألة خلاف في أحد الفروع الاجتهادية، التي لا ينبغي أنْ يتعصّب أحد لرأيه فيها، أو ينكر على الآخر رأيه، فإنَّ شرط الإنكار أنْ يكون المنكَر مُجمعًا على أنَّه منكر، كما لا ينبغي أنْ يُرمى صاحب الرأي الآخر بأنَّه عاص أو مبتدع، وأنْ يكون النقاش موضوعيا بعيدًا عن المهاترات ملتزمًا أدب المجادلة بالحسنى.

قال الشيخ بن تيمية رحمه الله تعالى وهو ممّن لا يرى السنّة القبلية للجمعة:-

(وَحِينَئِذٍ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ وَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ. وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَد يَدُلُّ عَلَيْهِ — وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَعَ قَوْمٍ يُصَلُّونَهَا فَإِنْ كَانَ مُطَاعًا إذَا تَرَكَهَا – وَبَيَّنَ لَهُمْ السُّنَّةَ – لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ بَلْ عَرَفُوا السُّنَّةَ فَتَرْكُهَا حَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَاعًا وَرَأَى أَنَّ فِي صَلَاتِهَا تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ أَوْ دَفْعًا لِلْخِصَامِ وَالشَّرِّ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ بَيَانِ الْحَقِّ لَهُمْ وَقَبُولِهِمْ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا أَيْضًا حَسَنٌ) مجموع الفتاوى (24/194).

والله تقدَّس في علاه أعلم.

وصلِّ اللهمَّ على خير مَنْ رقى المنبر يوم الجُمعة، سيّدنا مُحَمَّد الذي أفاض عليها مِنْ نوره فأصبحت بين الأيام كالشمعة، وعلى آله وصحبه الدائرين في فلك جماله وجلاله وكماله فكانوا بذلك خيرَ جَمْعَة، ما لَمَعَ ذكره في الأرواح لَمْعَة فأفاض على العين الدمعة.