2015/02/20
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حضرة الشيخ المحترم
والدتي تريد أنْ تعمل صدقة جارية لها وللمرحوم أبي ووالديها المتوفين ولجميع موتاها فهل الصدقة الواحدة تشمل الجميع (الأحياء والمتوفين) أم لكلّ شخص صدقة؟
وهل يجوز وضع شخص حيّ مع شخص متوفي في صدقة واحده؟؟
جزاك الله خير الجزاء ولك الصحة والعافية إن شاء الله.
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته .. وبعد
قال اللهُ سبحانه {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر : 10].
الأعمال الصالحة والصدقة الجارية وإهداء ثوابهما للمتوفى، يصل إليه وينتفع به إنْ شاء الله تبارك اسمه لعموم الأدلة الواردة في ذلك، فقد وردَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رضي الله تعالى عنه، تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ فَقَالَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطَيِ الْمِخْرَاف صَدَقَةٌ عَلَيْهَا) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا، والحائط هو البستان، والمخراف: الشجرة، وقيل: ثمرها، والمراد به هنا اسم البستان.
فهذه الأعمال أوصل الله تعالى نفعها للميت، ووجه ذلك أنَّ مَنْ عمل عملاً مَلكَ ثوابَهُ ومَنْ ملكَ شيئاً فلهُ أنْ يهبَهُ ما لم يقمْ بالموهوبِ لهُ مانعٌ مِنَ الانتفاعِ بالثوابِ، ولا يمنع منه إلا الكفر، والموت ليس بمانعٍ بدليل وصول الدعاء.
وقد ثبت أنّ سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه قَالَ: (إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ، وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ) الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى.
وقد استدل العلماءُ رضي الله تعالى عنهم وعنكم بهذا الحديث وغيره على فضل الصدقة عن الميت، ومِنْ ذلك ما جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ، قَالَ (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ، إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) ومثلوا للصدقة الجارية بالوقف، وقد نظم الإمامُ السيوطي رحمه الله تعالى ما ينتفع به الميت بعد موته فقال:
إذا مات ابن آدم ليس يجري *** عليه من خصال غيــــــــر عشر
علوم بثها ودعاء نجـــــــــل *** وغرس النخل والصدقات تجري
وراثة مصحف ورباط ثغـر *** وحفر البئر أو إجـــراء نهــــــــر
وبيت للغريب بناه يــــــأوي *** إليه أو بنــــــــاء محل ذكـــــــــر
وتعليم لقرآن كـــــــــــــريم *** فخذها مـــــــــــن أحاديث بحصر
فإهداء ثواب الصدقة الجارية للأموات أمرٌ حسنٌ، ولا بأس بإشراك أكثر مِنْ واحدٍ فيه سواء كانوا أحياء أو أمواتا، فعَنْ السيّدة أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها وعن أبيها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ فَقَالَ لَهَا يَا عَائِشَةُ هَلُمِّي الْمُدْيَةَ ثُمَّ قَالَ اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ فَفَعَلَتْ ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ ثُمَّ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ضَحَّى بِهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.
قال صاحبُ كتاب كشف القناع رحمه الله سبحانه (وَكُلُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا الْمُس
ْلِمُ وَجُعِلَ ثَوَابُهَا أَوْ بَعْضُهَا كَالنِّصْفِ وَنَحْوِهِ لِمُسْلِمٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ جَازَ وَنَفْعُهُ، ذَلِكَ لِحُصُولِ الثَّوَابِ لَهُ، حَتَّى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَطَوَّعْ وَوَاجِبٌ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَحَجٍّ وَنَحْوِهِ أَوْ لَا كَصَلَاةٍ وَكَدُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ، وَصَدَقَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ وَأَدَاءِ دَيْنٍ وَصَوْمٍ وَكَذَا قِرَاءَةٌ وَغَيْرُهَا) انتهى.
وقال الإمام ابن عابدين رحمه الله تعالى في كتابه ردّ المحتار على الدرّ المختار (الْأَفْضَلُ عَلَى أَنْ يَنْوِيَ بِالصَّدَقَةِ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله عزّ وجلّ (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَمَّا الدُّعَاءُ، وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالصَّدَقَةُ، وَأَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إذَا كَانَتْ الْوَاجِبَاتُ مِمَّا يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ)، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جلّ في علاه {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، وَقَالَ سبحانه {…وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ…} [محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: 19].
وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (183، 306، 1237، 1750) في هذا الموقع المبارك.
والله جلّ في علاه أعلم.