2015/03/11

السؤال:

السلام عليكم ورحمته الله وبركاته

أطال الله في عمرك حضرة الشيخ الجليل وجمعنا وإياكم وكافه العاملين في هذا الموقع المبارك في جناتٍ النعيم.

فضيلة الشيخ هناك الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تتحدّث عن مغفرة الذنوب منها الحديث الشريف الذي يقول: مَنْ قرأ دبر كلّ صلاة مكتوبة سبحان الله والحمد لله والله أكبر كلّ منها ٣٣ مرّة غفرت ذنوبه وإنْ كانت مثل زبد البحر.

وكذلك الحديث الشريف الذي يقول: مَنْ توضأ في البيت ومشيّ إلى أحد بيوت الله سبحانه وتعالى لصلاة الجماعة كان له بكل خطوة حسنة وكل خطوة مغفرة ذنب.

وكذلك الحديث الشريف الذي يقول: مَن اغتسل الجمعة وذهب باكرا وماشيآ غير راكب إلى المسجد وجلس واستمع للخطبة كان له بكل خطوة مغفرة ذنوب سنة.

سؤالي حضرة الشيخ هل هذه أحاديث صحيحة؟

وهل هناك شروط لقبول هذه الأعمال؟

وما هي الذنوب التي تمحى بهذه الأعمال هل هي الذنوب الصغيرة؟ أم الكبيرة أيضا؟

وهناك آية قرآنية تقول (الذين يجْتَنِبونَ كبائرَ الأثمِ والفواحشَ إلا اللَمم إنّ رَبَكَ واسعُ المغفرة)

فهل إطلاق النظر والغيبة والغضب والسب تمحى بهذه الأعمال؟

وماهي أنواع الذنوب؟ أنا أسمع عن ذنب وسيئة وخطيئة ومعصية فهل كلها نفس المعنى؟ وأخيرا هل الاستغفار يمحوا الذنوب جميعها؟

آسف على الإطالة ولكنّي أعتقد أنّ موضوع الذنب ومغفرة الذنوب من أهم الأمور الذي يجب على المسلم أنْ يعلمها. ولكم جزيل الشكر.

 

الاسم: محمد رشيد

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكر لك دعائك لي، وأسأل الله بمنه وكرمه أنْ ينيلكم من الخير بقدر ما دعوتم لنا وزيادة، أنت وجميع المسلمين، إنّ ربّنا جواد كريم ورحمن رحيم.

بالنسبة للشق الأول من السؤال، وهو وجود الأحاديث الشريفة التي تذكر الأعمال الصالحة والأذكار النافعة التي جعلها الله تعالى وسيلة عظيمة لتكفير الذنوب والسيئات، وعطاءً غدقاً لرفع الدرجات وكسب الحسنات، منها قول النبيِّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وقال حضرة النبيِّ الأكرم عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(مَنْ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرْفَعْ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَلَا يَضَعُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى إِلَّا حَطَّ اللهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، حَتَّى يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَإِذَا صَلَّى بِصَلَاةِ الْإِمَامِ انْصَرَفَ، وَقَدْ غُفِرَ لَهُ، فَإِنْ هُوَ أَدْرَكَ بَعْضَهَا وَفَاتَهُ الْبَعْضُ كَانَ كَذَلِكَ، وَإِنْ هُوَ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَقَدْ صُلِّيَتْ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا كَانَ كَذَلِكَ) الإمام البيهقي رحمه الله تعالى.

ويعضده ما رواه الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ في صحيحه عن سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه إذ قال:-

(مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مَنْ سُنَنَ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ).

وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(مَنْ غَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَركَبْ، وَدَنَا مِنَ الإمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا) الإمام أبو داود رحمه الله الغفور الودود جلّ جلاله.

فهذه الأحاديث صحيحة، وهناك غيرها بنفس المعنى تؤيّدها، وعلى المسلم أنْ يوقن بمغفرة الله تعالى وكرم عطائه إنْ طبَّق ما أمر به الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام من توجيهات وتعليمات، فهو الذي وصفه ربّه جلّ وعلا بقوله:-

{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [سورة النجم: 3 – 5].

بل على المسلم أنْ لا يشك بأيّ أمر ورد بطريق صحيح عن النبيّ الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين مهما عجز العقل عن تفسيره أو تصوره، قال تعالى:-

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [سورة النساء: 170].

أمّا شروط قبول هذه الأعمال فتتأتى بالإيمان والتصديق بلا تردد، أنّ مَنْ عملها نال ما وعد به رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وآله وصحابته، ثمّ بالتطبيق الصحيح الذي لا خلل فيه، كالالتزام بالعدد في التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلاة، إذ مَنْ لم يلتزم بالعدد لم ينل الأجر الموعود، حالها كحال المفتاح الذي يفتح القفل، فحين تزيد أسنان المفتاح أو تقل لن يفُتح القفل مهما حاولت، وكالخروج على طهارة كاملة من البيت الى المسجد، فمَنْ مشى الى المسجد بلا طهارة فليس له ذلك الأجر بكلّ خطوة، وربّما له أجر دونه ولكن لا يكون مثله إلا بالتطبيق الصحيح الذي ذكره حضرة النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، وكذلك أجر يوم الجمعة، فلابدّ للمسلم أنْ يطبق الشروط المذكورة لينال الأجر المذكور، فالمراد بـِ “غسَّل واغتسل” أي اغتسل من الجنابة ثمّ اغتسل للجمعة، وقيل: أراد بقوله: “غسَّل” غسل الرأس، وبقوله: “اغتسل” غسل ما بقي من الجسد، وقيل: أراد بالأوّل: غسل أعضاء الوضوء، وبالثاني غسل الباقي، وقيل: هما واحد، وتكرير اللفظ ومغايرته للتأكيد، وكذا “بكر وابتكر” وهما كقوله: “ومشى ولم يركب” وقيل: “بكّر” أي: أتى الصلاة لوقتها، “وابتكر” أي: أدرك باكورة الخطبة: وهي أولها، فمَنْ حقق الشروط نال الأجر الموعود.

وأفهم من قوله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم (وابتكر) معنى الاختراع، أي يخترع من الأحوال والأفعال والأقوال التي تعبّر عن فرحه بهذا اليوم العظيم، فهو خير الأيام، قال فيه خير الأنام عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُسِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَةً، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.

وبالتالي ينبغي على المسلم أنْ يكون أكثر اهتماما به واستعدادا له، فيستيقظ لصلاة الفجر ويوقظ أهله بشكل يبيّن لهم مزيّة هذا اليوم عن بقيّة الأيام، فهو عيد المسلمين، ونعمة كبيرة من نعم ربّ العالمين، اصطفاه لأمّة خير المرسلين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، الذي أخبرنا فقال:-

(نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ اليَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.

وتؤدى فيه شعيرة عظيمة أنزل الله جلّ وعلا سورة باسمها وهي (الجمعة) تنبيها لفضلها وتبيانا لمكانتها، فيجب أنْ نعيد تربية أسَرِنَا وفق هذه الأسس التي اندثرت إلى الحد الذي أصبح فيه هذا اليوم المبارك من أكثر الأيام نوما وكسلا في حياة المسلمين.

ومن الأحوال الطيّبة أيضا تذكّر قول النبيّ صلّى الله تعالى على ذاته وصفاته وآله وصحابته:-

(إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وَقَفَتِ المَلاَئِكَةُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ – أي المبكّر بالحضور إلى المسجد – كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.

فيقف عند باب المسجد قبل أنْ يدخل ليستشعر وجود الملائكة ويشكرهم بقلبه على تسجيل اسمه في هذا الركب المبارك الذي جاء ليشهد هذا الشعيرة العظيمة.

وكذلك الحال بالنسبة إلى الأفعال إذ يحاول أنْ يبتكر السبل التي تدعو الناس إلى هذه الشعيرة الكبيرة وتوجّه قلوبهم إليها، ومن جميل ما رأيت في بعض البلدان العربية أنّ بعضهم يأتي إلى الجمعة يحمل في جيبه ويده زهورا جميلة في شكلها طيّبة في عطرها فإذا رأى مَنْ لم يتعطّر قدّم له زهرة ليشمّها هو ومَنْ جلس قريبا منه.

وآخر يحمل بيده الحلوى فيعطي منها كلّ مَنْ يلقاه، ويبيّن له أنّ هذا اليوم جمعة ويدعوه للحضور إليها معه، وهكذا…

ومن الأقوال: يبتكر صيغا للصلاة والسلام على حضرة خاتم الأنبياء صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه الأتقياء كما كان السلف رضي الله سبحانه عنهم يفعلون، وذلك باعتبار أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام وجّه إلى الإكثار من الصلاة والسلام عليه في هذا اليوم الأغرّ فقال:-

(أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ أُمَّتِي تُعْرَضُ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً كَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً) الإمام البيهقي رحمه الله جلّ وعلا.

وكذلك ابتكار الأقوال التي يجدها أكثر تأثيرا في دعوة أهله وأحبابه إلى هذه الشعيرة الجليلة.

وما ذكرته هنا ليس سنّة ينبغي على الناس اتباعها بل هو فهمٌ آتانيه الله تبارك اسمه من كتابه الكريم وسنّة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين منْ شاء أخذ بها ومَنْ شاء تركها.

أمّا السؤال عن المراد بالذنوب هنا هل هي الكبائر أم الصغائر؟ فالجواب متعلق بمعرفة الفرق بين الذنب والسيئة والخطيئة والمعصية، لنعرف بعدها أنّ المذكور في الأحاديث أعلاه السيئات والخطايا، وليس الذنوب والمعاصي.

أمّا الفرق بين الذنب والسيئة والخطيئة والمعصية، فالمراد غالباً بالذنوب هي الكبائر، وبالسيئات الصغائر، كما أنّ لفظ المغفرة في كتاب الله تعالى يقترن مع الذنوب ولفظ التكفير يقترن مع السيئات كما في قوله سبحانه:-

{— رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 193].

وسمّيت سيئة لأنّ صاحبها يأتيه منها السوء في الدنيا والآخرة، كما أنّ الخطيئة مشتقة من الخطأ، ومعناه عدم الإصابة.

أمّا الفرق بين الخطيئة والمعصية فكلاهما يستوجب العقوبة، لكن المعصية عقوبتها أشد، وذلك أنَّ الإنسان حين يخالف أمراً أو يرتكب نهياً فهو مخطئ وعاص لله تعالى، والله عزّ وجلّ يعرف ويعلم السرائر والنوايا فمجرد المخالفة بلا نيّة مسبقة يعتبر خطئاً، لذا علمنا الله تعالى أن ندعوه فنقول:-

{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [سورة البقرة: 286].

أمّا إنْ كانت بقصد وتعمّد وعلم فهي المعصية، قال تعالى:-

{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة الأحزاب: 5].

ثمّ يجب أنْ نعلم أنّ الذنوب والمعاصي والخطايا والآثام مثلها كمثل الأمراض التي تصيب البدن عافانا وعافاكم الله جلّ وعلا المعافي المشافي، فالأمراض متعددة والعلاج متعدد أيضا، وكلّ داء له دوائُه، وكذلك كلّ خطأ أو سيئة أو ذنب أو أثم لا يرفعه إلا عمل متناسب معه، وكما قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(لكلِّ عَملٍ كَفَّارَةٌ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

والأعمال الصالحة تختلف مديات علاجها وتأثيرها أيضا على السيئات والمعاصي والذنوب والآثام والخطايا، فسرقة المال أو غصبه أو تملكه بطريق محرّم لا تمحوها مجرد التوبة والاستغفار، بل يزيد عليها ردّ المال إلى صاحبه أو التخلص منه وتركه، والغيبة لا تكفيها مجرّد كفّ اللسان وترك الغيبة والاستغفار بل يضاف إليها طلب السماح ممّن اغتبته، أو الدعاء له، والنظرة المحرّمة إلى الحرام لا يكفيها مجرّد الاستغفار بل التوبة وغضّ البصر وكثرة النظر إلى المصحف والنظر إلى الصالحين والنظر إلى ملكوت الله جلّ في علاه فإنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئاتِ.

أمّا قوله تعالى:-

{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [سورة النجم: 32].

فالمراد باللمم هي الوسيلة المؤدية إلى الكبيرة، كإطلاق النظر إلى الحرام، والمشي، واللمس وغيرها، فإنْ غشي الزنا تُحْسَبُ كلُّها من الزنا، وتنقلب كبائرَ، وإلَّا فهي صغائرُ تَصْلُحُ أن تُغْفَرَ له، ويُعْفَى عنها.

وقيل: إنَّ المعاصي على نحوين: منها ما تقعُ تمهيدًا، ومنها ما تكون مَقْصَدًا. فالتي تقعُ في السلسلة، وتكون وسيلةً لتحصيل منتهاها، هي الصغائرُ، وذلك المنتهى هو الكبيرةُ.

ثمّ إنّ المسلم ما عليه إلا أنْ يكثر من الاستغفار بالليل والنهار، فعسى أنْ تنفعه عند الرحيم الغفار، فتحط عن كاهليه السيئات والأوزار، يوم يتحسر المتحسرون إذ أنّهم كانوا من الزاهدين بالأذكار والاستغفار، وكثرة الصلاة على النبيّ المختار صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه الأخيار الأبرار، فقد روى ابن أبي شيبة رحمه الله عزّ وجلّ عن سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين قوله:-

(تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ فَإِنِّي أَتُوبُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِئَة مَرَّةٍ).

وَعَنْ سَيِّدِنَا أُبَيّ بْن كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْه قَالَ:-

(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، قَالَ: الرُّبُعَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ، قَالَ النِّصْفَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ، قَالَ الثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ، قَالَ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: إِذًا يُكْفَى هَمُّكَ وَيُغْفَرُ ذَنْبُكَ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.

وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (34، 256) في هذا الموقع المبارك.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.