2015/03/27

السؤال:

السلام عليكم ورحمته الله وبركاته.

أطال الله في عمرك فضيلة الشيخ ووفقكم في هذا الموقع المبارك

فضيلة الشيخ أريد أنْ أسأل عن حكم الجاريات وما ملكت أيمانكم؟ ما هي حقوقهم؟ وما هي واجباتهم؟ وما هو الفرق بينهم وبين العبيد؟

عندما أقرأ قصص خلفاء المسلمين بعد الخلافة الراشدية أجد مثلا مكتوبا:

الخليفة الفلاني كان له ٤ زوجات وكذا من الجاريات وكذلك في سورة النساء مذكور أنّ الرجل له الحق أنْ يتزوج مثنى وثلاث ورباع أو ما ملكت أيْمَانكم.

وهل ينطبق حكم الجاريات أو الإماء على الشغالات الذين يأتون من غير بلدان ويعملون في البيوت؟ مع الشكر الجزيل.

 

الاسم: محمد رشيد

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك اللهُ عزّ وجلّ خيراً على دعائِك المبارك ولك مثله.

إنَّ معنى قول اللهِ جلّ في علاه {— ومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ —} قد يُراد به الرَّقيق عموماً مِنَ الذكور والإناث كما في قولهِ سبحانه {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36].

وقد يرادُ به النِّساءَ المملوكاتِ خصوصاً ويُسميَّنَ: الجواري والسَّراري وملك اليمين، ويجوز لمالكِها أنْ يطأها ويستمتعَ بها بغير عقدِ زواجٍ بلْ بملكِ اليمين، كما في قوله تعالى {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون:5 – 6]، ومثلها في سورة المعارج.

أمَّا حقوقُ الجاريةِ المملوكةِ في الإسلامِ وغيرِها مِنَ الرَّقيقِ فتتلخصُ في:-

الإحسانِ إليهمْ، وعدمِ تكليفهمْ مِنَ العملِ ما لا يُطيقون، وقد وردتْ في ذلكَ أحاديثُ كثيرةٌ منْها:-

حديثُ سيِّدنا عَلِيٍّ رضي الله تعالى عنه قَالَ: (كَانَ آخِرُ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ الصَّلاةَ اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ جلاله.

وقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جعلهم الله تحت أيديكم، فمَنْ كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإنْ كلفتموهم فأعينوهم) متفق عليه.

وورد الأمرُ بالإحسان بصفةٍ خاصةٍ إلى الجواري المملوكاتِ، قالَ سيّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَمَنْ وَالاه (ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَتَبِعَهُ وَصَدَّقَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ سَيِّدِهِ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وقدْ انتهى الرِّقّ تقريباً في عصرِنا هذا بالصورة التي كانتْ معروفة آنذاك، إلا أنَّهُ ظهرَت لهُ صورة أخرى.

وهي ما تقوم به الدول الكبرى بتحايل ودهاء من احتلال البلدان وسلب خيراتها والاعتداء على كرامة الإنسان فيها وهي أسوء صور الرقّ في الدنيا.

وهذا لا يعني إبطالَ أحكامِ الرِّقِ إذا وُجِدَتْ أسبابُهُ، كالقتال بين الكفار والمسلمين.

وهو لا يعدّ سببا مِنْ أسباب الرقّ دائما، وإنّما يتحقق إذا بدأ الكفار بسبي نساء المسلمين، قال ربُّنا تبارك اسمه {— فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]، لأنّ الأصل في الإنسان حرّيته وبراءته، وهذا ما أفتي به.

قال الإمام ابنُ قُدامةَ رحمهُ اللهُ تعال
ى في المُغْنِي: (الأصلُ في الآدميينُ الحريةُ، فإنَّ الله تعالى خلقَ آدمَ وذريتَهُ أحراراً، وإنَّما الرِّق لعارض، فإذا لم يُعلمْ ذلك العارض، فله حكمُ الأصل).

وقال صاحب فتح القدير رحمه الله الكبير سبحانه: (والحرية حقّ الله تعالى، فلا يَقدرُ أحدٌ على إبطاله إلا بحكمِ الشَّرعِ، فلا يجوز إبطالُ هذا الحق، ومِنْ ذلك لا يجوز استرقاقُ الحُرِّ، ولو رضي بذلك).

أمَّا الخدم الذين يعملون في البيوتِ فلا تنطبق عليهم أحكامُ الأَرِقاءِ والإماءِ، بل حكمهم حكمُ الأجيرِ الخاص الذي استُؤجر ليعمل عند المستأجِر فقط، كالمُوظف.

واللهَ سبْحانَهُ أسأل أنْ يحفظ الجميعَ بجاهِ النبيِّ الشفيع صلى اللهُ تعالى عليه وآله وصحبهِ وسلم…

والله عزّ شأنه أعلم {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران عليهم السلام : 8].