2015/04/19
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي ومولاي سعد الله ربي يديمكم بحفظه وسرّه ورحمته يا سيّدي العزيز، سيّدي ما بال العبد عندما يكون مبتلی ببعض المعاصي عندما يتوب من عندها ولا يفعلها لا يشعر بعدها بالتقصير بين يدي الله تبارك وتعالی والتقرّب إليه، وعندما يقدّر له الله جلّ جلاله بأنْ يرجع إليها للمعصية يزداد ندما وبكاء وقربا وحكمة وذكرا واستغفارا إليه سبحانه وبارك الله لكم مولانا.
الاسم: محمد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته, وفَّقكم الله سبحانه لكل خير.
قال التَّواب الرحيم تقدَّس اسمه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم/8].
قال إمام التائبين سيّدنا مُحمَّد صلّى الله جلَّ اسمه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه (إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا – وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْبًا – فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ – وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ – فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ – أَوْ أَصَبْتُ – آخَرَ، فَاغْفِرْهُ؟ فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا، قَالَ: قَالَ: رَبِّ أَصَبْتُ – أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ – آخَرَ، فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلاَثًا، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ) الإمام البخاري رحمه الرحمن الباري جلَّ ثناؤه.
إنَّ أحوال التائبين بعد التوبة مختلفة وآثارها متباينة فمنهم مَنْ يَتُوبُ وَيَسْتَقِيمُ إِلَى آخِرِ عُمْرِهِ وَلَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالْعَوْدِ إِلَى ذُنُوبِهِ كأنّهُ يجسِّدُ توجيهَ خالقه سبحانه القائل {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود عليه السلام: 112]، وعنْ سَيّدِنَا سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ – وفي رواية: بَعْدَكَ – قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد سبحانه.
ومنهم تَائِبٌ استقام فِي أُمَّهَاتِ الطَّاعَاتِ وَتَرَكَ الكَبَائِرَ كُلَّهَا إِلَّا أَنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْ ذُنُوبٍ تَعْتَرِيهِ لَا عَنْ عَمْدٍ، وَلَكِنَّهُ َيلومَ نَفْسَه, وَهِيَ أَغْلَبُ أَحْوَالِ التَّائِبِينَ، قال أرحم الراحمين {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32].
وقال رحمة الله تعالى للعالمين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
ومنهم مَنْ يَتُوبُ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ مُدَّةً ثُمَّ تَغْلِبُهُ الشَّهْوَةُ فِي بَعْضِ الذُّنُوبِ فَيُقْدِمُ عَلَيْهَا عَنْ قَصْدٍ لِعَجْزِهِ عَنْ قَهْرِ الشَّهْوَةِ، إِلَّا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُوَاظِبٌ عَلَى الطَّاعَاتِ وَتَارِكٌ جُمْلَةً مِنَ الذُّنُوبِ وَهُوَ يَوَدُّ لَوْ كُفِيَ شَرَّهَا فِي حَالِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَعِنْدَ الْفَرَاغِ يَتَنَدَّمُ وَيَقُولُ: لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْهُ، وَسَأَتُوبُ عَنْهُ وَأُجَاهِدُ نَفْسِي فِي قَهْرِهَا، لَكِنَّهُ يُسَوِّفُ تَوْبَتَهُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ وَهذا مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى الله أنْ يتوبَ عَلَيْهِم إنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ} [التَّوْبَةِ/ 102]، فعليه أنْ لا يسوَّف فعَنِ حضرة النَّبِيّ صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم قَالَ (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) الإمام مسلم رحمه الله المنعم جل وعلا، وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (210) في هذا الموقع المبارك.
ومنهم منْ يَتُوبُ وَيَجْرِي مُدَّةً عَلَى الِاسْتِقَامَةِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مُقَارَفَةِ الذَّنْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَأَسَّفَ عَلَى فِعْلِهِ، بَلْ يَنْهَمِكُ انْهِمَاكَ الْغَافِلِ فِي اتِّبَاعِ شَهَوَاتِهِ، فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُصِرِّينَ فهؤلاء ممّن غرّهم الشيطان، قال ربُنا تبارك اسمه {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد/14].
وَهَذِهِ النَّفْسُ هِيَ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَانْتِظَارُهُ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سبحانه غُرُورٌ, قال النذير المبين سيدنا محمَّد صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم (—وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ، الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونْ) الإمام أحمد رحمه الكريم الصمد تنزَّهت ذاته، وَقَدْ ضربَ أحد العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم لِذَلِكَ مَثَلا بِرَجُلٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ فِي طَرِيقِهِ، فَعَرَضَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ جَبَذَ ثَوْبَهُ وَأَوْقَفَهُ قَلِيلًا، يُرِيدُ تَعْوِيقَهُ عَنِ الصَّلَاةِ، فَلَهُ مَعَهُ حَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِ حَتَّى تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ، فَهَذِهِ حَالُ غَيْرِ التَّائِبِ.
الثَّانِي: أَنْ يُجَاذِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَتَفَلَّتَ مِنْهُ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ، ثُمَّ لَهُ بَعْدَ هَذَا التَّفَلُّتِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
الأوّل: أَنْ يَكُونَ سَيْرُهُ جَمْزًا وَوَثْبًا، لِيَسْتَدْرِكَ مَا فَاتَهُ بِتِلْكَ الْوَقْفَةِ، فَرُبَّمَا اسْتَدْرَكَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَعُودَ إِلَى مِثْلِ سَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تُورِثَهُ تِلْكَ الْوَقْفَةُ فُتُورًا وَتَهَاوُنًا، فَيَفُوتَهُ فَضِيلَةُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، أَوْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ وَأَوَّلِ الْوَقْتِ، فَهَكَذَا حَالُ التَّائِبِينَ السَّائِرِينَ سَوَاءً.
ولِلتَّوْبَةِ ثِمَارٌ وَمِنْهَا:
إِحْدَاهُمَا: تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ حَتَّى يَصِيرَ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: نَيْلُ الدَّرَجَاتِ.
وَلِلتَّكْفِيرِ أَيْضًا دَرَجَاتٌ: فَبَعْضُهُ مَحْوٌ لِأَصْلِ الذَّنْبِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَبَعْضُهُ تَخْفِيفٌ لَهُ، وَيَتَفَاوَتُ ذَلِكَ بِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِ التَّوْبَةِ، فَالِاسْتِغْفَارُ بِالْقَلْبِ وَالتَّدَارُكُ بِالْحَسَنَاتِ وَإِنْ خَلَا عَنْ حَلِّ عُقْدَةِ الْإِصْرَارِ فَلَيْسَ يَخْلُو عَنِ الْفَائِدَةِ أَصْلًا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَظُنَّ أَنَّ وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا فَكل ذَرَّةٌ مِنْ خَيْرٍ لَا تَخْلُو عَنْ أَثَرٍ ولاْ تَسْتَصْغِرَ ذَرَّاتِ الطَّاعَاتِ فَلَا تَأْتِيَهَا ولاَ ذَرَّاتِ الْمَعَاصِي فَلَا تتقيها فَالتَّضَرُّعَ وَالِاسْتِغْفَارَ بِالْقَلْبِ حَسَنَةٌ لَا تَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ أَصْلًا بَلْ الِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ أَيْضًا حَسَنَةٌ؛ إِذْ حَرَكَةُ اللِّسَانِ بِهَا عَنْ غَفْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ حَرَكَةِ اللِّسَانِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ بِغِيبَةِ مُسْلِمٍ أَوْ فُضُولِ كَلَامٍ.
وبعد هذا أقول: إنَّ الأمر يتعلق بالتائب نفسه فعليه مراقبة قلبه وتعاهده والحذر مِنْ دسائس النفس ودواخلها, قَالَ سيّدنا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر رحمه الله جلّ اسمه (إنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْحَسَنَةَ فَيَدْخُلُ بِهَا النَّارَ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ السَّيِّئَةَ فَيَدْخُلُ بِهَا الْجَنَّةَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَعْمَلُ الْحَسَنَةَ فَتَكُونُ نُصْبَ عَيْنِهِ وَيَعْجَبُ بِهَا، وَيَعْمَلُ السَّيِّئَةَ فَتَكُونُ نُصْبَ عَيْنِهِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إلَيْهِ منه).
وقال سيّدنا ابن عطاء الله السكندريّ رحمه الله سبحانه (ربّ مَعْصِيّة أورثتْ ذلا وانكسارا خيرٌ من طَاعَة أورثتْ تعززا واستكبارا).
ولزيادة الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (153، 1643، 1797) في هذا الموقع الكريم.
وصلَّى الله تقدَّس اسمه وسلَّم على خير مَنِ استغفر وأناب ورجع إلى ربه تبارك وتاب سيدنا مُحمَّد وعلى آله وجميع الأصحاب.
والله جلَّ وعلا أعلم.