2014/03/10
السؤال:
رأيت فى منامي وكأنّ من يوقظني بجملة إصحى يا فلان (فلان مات) وكان من أعز الناس على قلبي، وتقطعت بنا السبل فترة طويلة من العمر، بسبب خلافات ﻻ داعي لذكرها، وحدث ذلك منذ سنوات، ومصادفة منذ أسبوع علمت بوفاة هذا الشخص فعلآ منذ سنوات، بالطبع تحديد التواريخ بدقة ﻻ يمكن بعد هذه المدة، ما تفسيركم الشرعي لذلك؟ وهل يجوز لي عمل عمرة له؟ أم هي فقط ﻷقاربه؟
الاسم: أسامه السيد
الرد:
بارك الله فيك وجزاك خيرا على سعيك في نفع الآخرين, عالم المنام عالم عجيب وهو نموذج للفت أنظار البشر إلى وجود عالم الغيب وإلى الايمان بالروح وطاقاتها ففيه تنطلق الروح مِنْ جواذب الجسد لتبدأ بالعمل بحسب قانونها فترى وتسمع وتحس ويفتح الله تبارك اسمه لها مِنْ الغيوب المكانية والزمانية بواسطة مِنْ خلال الملك الموكل بالرؤيا أو بغير واسطة, وما ذكرته يندرج تحت هذا، أمّا بالنسبة لسؤالك:
فقد ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ رضي الله تعالى عنهم وعنكم فِي الْجُمْلَةِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ الْعُمْرَةِ عَنْ الْغَيْرِ؛ وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ جاء في الموسوعة الفقهية (ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ الْعُمْرَةِ عَنْ الْغَيْرِ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ جَوَازَهَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ, وَالنِّيَابَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْأَمْرِ, فَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَاعْتَمَرَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْعُمْرَةِ وَإِنْ وَقَعَتْ صَحَّتْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي أَدَاءِ الْعُمْرَةِ عَنْ الْغَيْرِ إذَا كَانَ مَيِّتًا أَوْ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهَا بِنَفْسِهِ, فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ عُمْرَةٌ وَاجِبَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بِأَنْ تَمَكَّنَ بَعْدَ اسْتِطَاعَتِهِ مِنْ فِعْلِهَا وَلَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى مَاتَ. وَجَبَ أَنْ تُؤَدَّى الْعُمْرَةُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ, وَلَوْ أَدَّاهَا عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ جَازَ وَلَوْ بِلَا إذْنٍ كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ بِلَا إذْنٍ. وَتَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي أَدَاءِ عُمْرَةِ التَّطَوُّعِ إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهَا بِنَفْسِهِ, كَمَا فِي النِّيَابَةِ عَنْ الْمَيِّتِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْعُمْرَةُ عَنْ الْحَيِّ إلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ, فَلَمْ تَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهِ, أَمَّا الْمَيِّتُ فَتَجُوزُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ)
فالراجح جواز العمرة عن الميت ولو بغير إذن أقاربه، ومِنَ الأدلة على جواز ذلك ما رواه سيّدنا بريدة رضي الله تعالى عنه قال (جاءت امرأة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا، وكذلك ما روي عن سيّدنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة! قال: من شبرمة؟ قال أخ لي أو قريب لي، فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم عن شبرمة) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ، وقال (حسن صحيح والعمرة والحج في ذلك سواء).
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تبارك اسمه (ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه فرضا كان أو تطوعا لأنها عبادة تدخلها النيابة فلم تجز عن البالغ العاقل إلا بإذنه كالزكاة، فأما الميت فتجوز عنه بغير إذن واجبا كان أو تطوعا لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بالحج عن الميت، وقد علم أنه لا إذن له، وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة، فعلى هذا كلّ ما يفعله النائب عن المستنيب ممّا لم يؤمر به مثل أنْ يؤمر بحج فيعتمر أو بعمرة فيحج يقع عن الميت لأنه يصحّ عنه من غير إذنه، ولا يقع عن الحي لعدم إذنه فيه، ويقع عمن فعله لأنه لما تعذر وقوعه عن المنوي عنه وقع عن نفسه مُقَامَهُ كَالْفِدْيَةِ فِي بَابِ الصَّوْم).
فأنت مشكور ولك الأجر إذا اعتمرت عنه لأنّ هذا من باب الإحسان إلى أخيك حيث تنفعه العمرة, ولا بأس مِنِ إخبار أهله فهذا ممّا يُفرحهم ويوطّد أواصر المحبة بينك وبينهم, وصلى الله تعالى على مَنْ فاض جودُه على الأحياء والأموات سيّدنا محمّد الذي هدانا الله جلّ وعلا به إلى أوسع الخيرات وعلى آله وصحبه أهل الإحسان والمبَرّات.
والله سبحانه أعلم.