2015/05/09
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فضيلة الشيخ تحياتي لجنابكم الكريم ولكل العاملين في هذا الموقع الرائع …
سؤالي هو يخص موضوع الديون ….
في عام 2010 كنت أسكن في سوريا …. واتفقت مع صديق لي بالعمل شراكة في مشروع معين …وأعطيته مبلغ مليون ونصف ليرة سورية في حينها … وبعد فترة لم نباشر بالمشروع واتضح أنه كان مديونا وسدد ديونه بهذا المبلغ.. وأنا تقبلت الموضوع لكونه صديقا لي واعتبرتها تفريجا لمحنته وقلت له: لا مانع لدي باعتبار المبلغ أصبح دينا عليك (بدون المشروع طبعا) …. وقلت له: على أن تحسبه بالدولار أي ما يعادل 30 ألف دولار في حينها … لكوني أعرف ما حلّ بالعراق وما حصل من هبوط قيمة الدينار نتيجة الحروب …. وتوقعت أنْ يحصل بسوريا مثل ما حصل في العراق نتيجة الأوضاع في حينها … ولهذا طلبت منه هذا الشرط لمعرفتي بأنّه سيأخذ سنوات لكي يسددها لي … ولكنّه لم يوافق بنص الكلام … بل قال: الله كريم ما نختلف في حينها …. وميصير شيء بسوريا إنْ شاء الله ….. وبقي الحال كما هو … ورجعت قبل سنتين للعراق وتركت سوريا نتيجة الحرب …
سؤالي هو كيف أحسب قيمة الدين إذا علمنا أنه في هذا اليوم أصبحت المليون ونص ليرة تساوي 7000 دولار أو أقلّ والله أعلم متى سيتمكّن من التسديد …. والليرة مستمرة بالنزول … مع العلم أنني أعطيته المبلغ كما ذكرت سابقا ما يعادل 30 ألف دولار ….
أرجو توضيح هذه المسألة لكونها موضوعا يهم كثيرا من الناس وخاصة في الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة العربية ….
ولكم جزيل الشكر وبارك الله في جهودكم
الاسم: احمد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته،
وحياك الله تعالى وأعانك وأعانَ كل من يقف مع إخوانه ويعينهم في أزماتهم، قال صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وعلى آلهِ وصَحبِهِ وَسَلَّمَ (واللهُ في عَونِ العبد ما كان العبدُ في عَونِ أخيه) الإمام أبو داود رحمه العفو الودود.
ولأجل أن نفهم الإجابة على سؤالك نتشرف بآيات الله تعالى ونتدبر في معانيها ونستظل بظلالها، ولتكون جواباً لك ولصاحبك قال جل وعلا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ *} [البقرة: 278 – 281].
وكان سبب نزول الآية أن العباس بن عبدالمطلب وخالد بن الوليد كانا شريكين في الجاهلية، يسلفان في الربا إلى ناسٍ من ثقيف، أي يعطون من يريد سلفة من المال بشرط أن يردوها وقت السداد مع زيادة متفق عليها، وفي وقت حجة الوداع كان لهما أموال عظيمة عند ثقيف من الربا، فأنزل الله تعالى هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *} فقال النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ (أَلَا إِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، الا وإن الله قضى أن أول رباً يوضعُ رِبا عباسِ بنِ عبدِالمطلبِ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) تفسير الخازن رحمه الله تعالى.
والمعنى الذي أريد أن أقف عليه من خلال الآية الكريمة قوله تعالى {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} بأن رأس المال المقصود هو النقدين الذهب أو الفضة، أما الفلوس الأخرى فهي ليست أموالاً حقيقية عند كثير من الفقهاء، وإن اعتبرت أثماناً عرفاً وقانوناً، وإنما هي فلوس لها ثمن عرفي وقانوني وليست أثماناً حقيقية، أي إنها معرضة لذهاب قيمتها وثمنيتها بعكس الذهب والفضة اللذين جعل الله تعالى الثمنية خلقة فيهما.
وقد استعمل المسلمون الفلوس المصنوعة من النحاس، وكانوا يتعاملون بها، وكانت تمر أيام فتنفق، فيسمونها فلوس نافقة، أي لا قيمة لها، فيقيسون قيمتها قبل نفاقها، فيسدد المدين مثل قيمتها ذهباً أو فضة.
وبذلك لا يقع ظلمٌ لا على الدائنِ الذي أعطى فلوساً ذات قيمة في زمن ما، واستلم نفس قيمتها وقت الأداء، ولا على المدين الذي أخذ الفلوس ولها قيمةٌ معتبرةٌ، وأدى ما يعادل تلك القيمة المعتبرة وقت السداد.
وبهذا الفهم نكون قد أدّينا شروط الآية الكريمة وهو أخذ رأس المال المعتبر شرعاً والمتفق عليه عند كل الفقهاء وهو الذهب والفضة، ورفعنا الظلم عن الدائن والمدين.
أما أن يؤدي المدين فلوسا نافقة وقت السداد بحجة أن هذا هو نفس جنس المال الذي استلمه، مستشهداً بالآية ناقصة من الشرطين الآخرين وهو قوله تعالى {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} فإنّ هذا يلحق ظلماً بيّنا بالدائن، ولو سلّمنا بذلك لترك الناس هذا المعروف بحجة أنّه ربما سيصيبه ضررٌ أو ظلم وقت السداد.
وبنفس التصوّر لو زادت قيمة الفلوس زيادة كبيرة فإنّ المدين سيلحقه ظلم في تأدية فلوس قيمتها تعدل ضعفا أو ضعفين أو أكثر مما كانت عليه وقت أستدانتها.
وبمثل هذه الفتوى أفتى فضيلة الشيخ الدكتور هاشم جميل وقت صعود قيمة الدينار العراقي في نهاية التسعينات من القرن الماضي بأن يؤدى قيمة ما أخذ المدين وقت الدين، ويكون الحساب على قيمة الذهب لأنه الثمن الحقيقي والشرعي.
وكذلك أخذت المحاكم العراقية في احتساب قيمة مهر المرأة المؤخّر عند وفاة زوجها أو طلاقها منه على الذهب وقت عقد القران وليس وقت الطلاق أو الوفاة، وما ذاك إلاّ لأنهم وجدوا أن المرأة التي كان مهرها خمسمائة دينار في الثمانينيات ستتضرر ويلحقها الظلم حين يؤدى هذا المبلغ وقت الطلاق لأنّ قيمة 500 دينار في ذلك الوقت تشتري به على سبيل المثال كيلو ذهب، بينما هو الآن لا يرضى به طفل صغير لشراء شيء من الحلويات من أي دكان.
لذا يجب أن يؤدي لك قيمة ما أعطيت وقت الدين، ويكون الحساب على الذهب، وبذلك يعود لك رأس مالك الحقيقي، ولا يلحق بأي منكما ظلم.
والله تعالى أعلم بالصواب. وصلى الله تعالى على سيد الأطياب من الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين الذي برحمة ربه لان لأمته وما بفضاضة أو غلظة له أحد عاب وعلى آله والأصحاب.