2015/05/13
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حفظك الله (جلّ جلاله) سيّدي هل يجوز أنْ أدعو بدعاء (اللهمّ أعنّي على إعانة شيخي) أخذا بوصية حبيب الرحمن صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ – رضي الله عنه – قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: (سَلْ) فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: (أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟) قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: (فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) راجيا من حضرتك سيّدي النصح لي.
الاسم: عبدالله لؤي
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، ودعائك الطيّب وأدعو لجنابك الكريم بمثله.
إنّ العبد المسلم مطالب بالتعرض لنفحات الله جلّ في علاه ومن هذه النفحات اللجوء إليه في كلّ الأوقات وخاصة عند وجود الإقبال من القلب إليه. ومن وسائل اللجوء الدعاء، قال جلّ ذكره {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [سورة غافر/ 60].
وقال سبحانه {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
ولأن الدعاء من أفضل الأعمال ، فيرجى إجابته من العبد الصالح، فقد حكى الله تعالى عن سيّدنا إبراهيم عليه السلام أنه استغفر لنفسه ولوالديه وللمؤمنين، كما في قوله عزّ وجلّ {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [سورة سيدنا إبراهيم عليه السلام/ 41].
وورد عن سيّدنا الحبيب صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، أنّه قال: (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلاَّ قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ) الامام مسلم رحمه الله المنعم.
وفي رواية أخرى عَنْ صَفْوَانَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ الدَّرْدَاءُ، قَالَ: (قَدِمْتُ الشَّامَ، فَأَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَوَجَدْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ، فَقَالَتْ: أَتُرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِخَيْرٍ، فَإِنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ، قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ وعلا.
فإذا طلب المرء من أخيه المسلم الدعاء له فلا بأس بذلك، لا سيما إذا كان من الصالحين؛ فقد أوصى سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، خيرة أصحابه أنْ يطلبوا من سيّدنا أويس القرني رضي الله تعالى عنه أنْ يستغفر لهم مع أنّه دونهم في الفضل
، فعن سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله سبحانه عنه قال: (سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: إنّ خيرّ التابعين رجلٌ يُقَالُ لَهُ أوَيْس، ولًهُ والدةٌ، وكانَ بِهِ بَياضٌ، فمُرُوهُ فليَسْتَغْفِر لَكُمْ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ وجلّ.
وعَنِ سيّدنا عبد الله بْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ عُمَرَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ وَقَالَ أَيْ أَخِي أَشْرِكْنَا فِي صَالح دعائك وَلاَ تَنْسَنَا) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ ذكره.
ويفهم ممّا تقدّم أنّ من جملة الحقوق العامة بين المسلمين الدعاء ويتأكد بين المتحابين في الله تعالى وخاصة بين الأنبياء الكرام عليهم السلام وأممهم وبين العالم والمتعلم والشيخ والتلميذ لوجود الصلة الروحية بينهما ومن جملة ما يتصف به الشيخ الوارث (رضي الله تعالى عن ساداتنا حضرات المشايخ المرشدين الكرام) أنّه يكثر الدعاء لأحبابه ومريديه وعامّة المسلمين لقوله تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد عليه الصلاة والسلام: 19]، وقوله سبحانه {إِنّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مّنِيبٌ} [سورة سيّدنا هود عليه السلام/75]، وقال على لسان سيّدنا عيسى عليه السلام {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118].
فينبغي على أفراد الأمة وعلى التلاميذ والسالكين أنْ يدعوا لأنبيائهم ومشايخهم ووالديهم كذلك، وأنْ يجاهد الفرد منهم نفسه ويُوطّنها على الطاعة والعبادة ويصدق في بيعته.
وأمّا ما ورد في النص الثاني (أعنّي على نفسك بكثرة السجود) فالإعانة قد تكون متبادلة لأهميتها ولتحقيق أهدافها المنشودة قال تعالى {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف/ 95].
ويدخل في هذا التمكين الملك والمال والعلم والتزكية الروحية وغيرها كثير.
أمّا الإعانة فقد تكون بالإبدان أو بالأرواح أو بالأموال أو النصح أو الدعاء وقد صحّ عن حضرة النبيّ الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ – أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا – اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) الإمام البخاري رحمه الباري
سبحانه.
وهذا من باب التخويف والتحذير أو المبالغة في الحض والحث على العمل
، وإلاّ فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة فضل هؤلاء المذكورين رضي الله تعالى عنهم وعنكم ودخولهم الجنة بأفصح إيضاح وأجلى إفصاح وكذا شفاعته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام لأهل الكبائر والعرب ولأمته وللمذنبين والمُلوَّثين وقبول شفاعته ثابتة ٌ بالاحاديث الكثيرة المتواترة الصحيحة ولا ينكرها إلاّ جاحد.
ومن أنوار هذا الحديث الشريف ينبغي على المسلم عامة والسالك خاصة أن يُعين الشيخ المرشد على نفسه في السير والانطلاق في مدارج العبودية. فالمرشد رضي الله تعالى عنه مهما أوتي من قوّة وتمكين وعلم وتزكية وإرشاد يحتاج إلى مساعدة العبد السالك في سيره إلى الله جلّ في علاه، وينبغي على السالك أنْ يكون ذا همّة للارتقاء في مدارج السير إلى الله سبحانه.
قال الشيخ العارف أبو مدين رحمه الله جلّ وعلا:
وراقب الشيخَ في أحوالِهِ فَعَسَى يَرَى عَلَيْكَ مِن اسْتِحْسَانِهِ أثَرا
ومن أشدّ الحرمان أنْ يجتمع العبد مع أولياء الله عزّ وجلّ ولا يُرزق القبول وما ذلك إلا لسوء الأدب، وإلا فلا بخل من جانبهم ولا نقص من جهتهم رضي الله تعالى عنهم.
قال الإمام الرفاعي رحمه الله عزّ وجلّ: (صحبة العارف بالله بالموافقة، ومع الخلق بالمناصحة، ومع النفس بالمخالفة، ومع الشيطان بالعداوة) البرهان المؤيد 28.
وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تبارك اسمه ورسوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين أعلم.