السؤال:
السلام عليكم سيدنا الشيخ سعدالله عارف حفظكم الله تعالى
استمعت لرجل من العلم في برنامج تلفزيوني وقد سئل عن كيفية تحنيك الطفل فقال إنّ التحنيك من خواص النبي صلى الله عليه واله وصحبه وسلم لبركة ريقه صلى الله عليه واله وسلم. فهل سيّدي هو من خواص النبوة أم عاما؟ وكيفي يكون التحنيك؟ هل بمضغ تمرة وادخالها بفم الطفل ام بالريق المتحلل من مضغ التمرة؟
جزاكم الله تعالى الف خير.
الاسم: سعد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك ودعواتك الطيّبة. أسأل الله العليّ القدير أنْ يوفقك وجميع المسلمين والمسلمات لكلّ خير إنّه سبحانه السميع البصير وبالإجابة جدير.
التحنيك سنّة من سنن المصطفى صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والوفا، وهو مضغ قليل من التمر ووضعه في فم المولود، ودلك حنكه به، أو إدخال الإصبع في فمه، ثمّ تحريكه يمينًا وشمالاً بلطف حتى يتبلغ الفم كله به، ويمكن إدخال جزء من التمر الطريّ في فم الطفل ليمضغه ويستفيد منه. فالتحنيك ليس المراد منه إطعام الطفل بل مضغ التمر بشكل جيّد والأخذ من ريق المحنِّك.
وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة في التحنيك منها:- عَنْ السَّيِّدَةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ المَدِينَةَ فَنَزَلْتُ قُبَاءً، فَوَلَدْتُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ «أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَّكَ عَلَيْهِ» وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلاَمِ، فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، لِأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ اليَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلاَ يُولَدُ لَكُمْ) الإمام البخاري رحمه الباري جل وعلا. وفي هذا الحديث الشريف إشارة إلى استحباب حمل المولود إلى أهل الفضل والصلاح لتحنيكه والتبرك بهم تأسيا بحضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام وليس هو من خصائصه بل هو عام لجميع الأمة. وممّا يدلّ على ذلك:
1- قال الإمام النووي رحمه الله عزّ وجلّ: (اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته بتمر، فإنْ تعذّر فما في معناه وقريب منه من الحلو، فَيَمْضَغ الْمُحَنِّك التمر حتى تصير مائعة بحيث تُبْتَلَع ثمّ يَفْتَح فَمَ المولود ويضعها فيه ليدخل شيء منها جوفه).
2- قال الحافظ ابن كثير رحمه الله سبحانه: (ولد الحسن – يعني البصري – في خلافة عمر بن الخطاب، وأتى به إليه فدعا له وحنّكه) البداية والنهاية.
3- قال الحافظ ابن حجر رحمه الله جلّ شأنه: (التحنيك مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي ودلك حنكه به، يصنع ذلك بالصبي ليتمرن على الأكل، ويقوى عليه، وينبغي عند التحنيك أنْ يفتح فاه حتى ينزل جوفه، وأولاه التمر، فإنْ لم يتيسر تمر فرطب، وإلا فشيء حلو، وعسل النحل أولى من غيره) فتح الباري في شرح صحيح البخاري رحمه الله تعالى.
وقد ذكر العلم حديثًا أنّ حديثي الولادة والرضّع معرضون للموت إنْ حدث لهم أحد أمرين: نقص السكر في الدم، أو انخفاض درجة حرارة الجسم عند التعرض للجو البارد. فمستوى السكر في الدم بالنسبة للمواليد يكون منخفضًا، وكلما كان وزن المولود أقل كانت نسبة السكر منخفضة، وبالتالي فإنّ المواليد الخداج (وزنهم أقلّ من 2.5 كغم) يكون مستوى السكر عندهم منخفضًا جدًا، بحيث يكون في كثير من الأحيان أقلّ من 20 مليغرام لكلّ 100 ملليلتر من الدم، أمّا المواليد أكثر من 2.5 كغم، فإنّ مستوى السكر يكون لديهم عادة فوق 30 مليغرام. ويعتبر هذا المستوى هبوطًا شديدًا في مستوى سكر الدم، ويؤدى إلى أعراض خطيرة منها:
– أنْ يرفض المولود الرضاعة.
– ارتخاء العضلات.
– توقف متكرر في عملية التنفس، وحصول ازرقاق في الجسم.
– نوبات من التشنج.
كما قد يؤدى إلى مضاعفات خطيرة ومزمنة أهمها:
– تأخّر النمو.
– تخلّف عقلي.
-شلل دماغي.
– إصابة السمع أو البصر أو كليهما.
– نوبات صرع متكررة.
وإذا لم يتمّ علاج هذه الحالة في حينها قد تنتهي بالوفاة، رغم أنّ علاجها سهل ميسور، وهو إعطاء السكر الجلوكوز مذابًا في الماء، إمّا بالفم أو بواسطة الوريد، فيقوم التحنيك بتعويض المولود وعلاجه من نقص السكر الذي يفقده عند ولادته.
فالتحنيك علاج وقائي من أمراض نقص السكر في الدم، لأنّه يحتوى على سكر الكلوكوز بكميات وافرة، وخاصة بعد إذابته بالريق الذي يحتوي على أنزيمات خاصة تحول السكر الثنائي (السكروز) إلى سكر أحادي. أمّا الريق فإنّه ييسّر إذابة السكريات، ومن ثمّ ييسّر للمولود الاستفادة منها، ولذلك فقد دأبت مستشفيات الولادة والأطفال على إعطاء المواليد محلول الكلوكوز بعد ولادته مباشرة، وقبل أنْ ترضعه أمّه، ومن هنا تتجلى حكمة التحنيك كسنّة نبوية شريفة.
كما أكّدت الدراسات العلمية أنّ في التحنيك تقوية لعضلات الفم بحركة اللسان مع الحنك والفكين حتى يتهيأ المولود للقم الثدي، وامتصاص اللبن بشكل قوي، ومساعدة للهضم، وتحريكًا للدم، وتهييجًا غريزيًا لآلية البلع والرضاع، وأيضًا فإنّ للضغط على سقف حلق الطفل لأعلى أثناء التحنيك أثرًا في إعطاء الفم الشكل الطبيعي لتهيئة الطفل لإخراج الحروف سليمة من مخارجها الطبيعية عندما يبدأ الطفل في الكلام.
وصلى الله تعالى على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تبارك أسمه أعلم.