الأحد، 5 شعبان 1436 هـ

السؤال:

السلام عليكم حضرة سيّدنا الشيخ سعد الله عارف حفظكم الله تعالى وبارك فيكم، سيّدي لماذا لا تظهر الكرامات الحسّية لأهل الصّلاح والتقوى أحياءً وأمواتاً بينما في عصور مضت بل إلى وقتٍ قريب يروي لنا كبارُ السّنِّ كراماتٍ لأولياء عاصروهم وما كانوا علماء فطاحل بل كانوا أهلَ علمٍ متواضع وعملٍ وأخبار عن مراقدَ بجوارنا لها حكاياتٌ مع أناسٍ أرادوا التّعدّي فرجعوا خاسئين وحصلت لهم عجائبُ بل حكايات عن قبور كانوا يزورنها بنيّة الإنجاب أو مَنْ لم يستطع إتيان أهله ليلة الزواج فيزور هذا الوليّ فيفتُح له، كُلّ ذاك سيدي يُروى لنا وأنتم أعلم، فلِمَ لا تظهر الآن والنّاسُ في فتنة وضَعفِ إيمانٍ؟ بل إنّ مراقد لأنبياء وأولياء هُدمت ومساجد والناس يسألون عن الكرامات؟

وبارك الله فيكم سيدي الحبيب.

الاسم: سعد

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على دعواتك الطيبة، أسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك وجميع المسلمين والمسلمات إلى ما يحبّه ويرضاه إنّه سبحانه لا يخيّب مَنْ دعاه وناجاه.

الكرامة: هي أمر خارق للعادة، يجريه الله جلّ جلاله على يد الوليّ، تأييدًا له، أو إعانة، أو تثبيتًا، أو نصرًا للدين.

وهي ثابتة في كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيّنا المبجّل صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه وَمنْ على طريقته أقبل، وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (500، 1405، 1670) في هذا الموقع المبارك.

قال الشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البريّة جلّ وعلا: (وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمّن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمَن استهان بها، فجنس هذا حق، وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهّمه أكثر الخلق) اقتضاء الصراط المستقيم ص374، مع ضرورة الاعتقاد أنّ النافع والضارّ على الحقيقة هو الله تبارك وتعالى.

ولا شكّ أنّ ظهور الكرامات يؤثر إيجابياً على نفسية المسلمين خاصّة في هذه الظروف الصّعبة، ولكن لابدّ أنْ أبيّن لجنابك الكريم وللمسلمين والمسلمات أنّ هذه الكرامات وإنْ كانت تنسبُ لأصحابها ولكن مِن وجه آخر هي نتاجُ البركةِ العامّةِ للمجتمع المسلم والجو الرّوحاني الذي يسودهُ فهي نتيجة طبيعية لمستوى صلاحِ المجموع.

وإنّي أتساءل: هل لهذا الجوّ وجود في هذا الزمن الذي يعصف بالفتن؟ إنّ نسبته قليلة جدا بسبب ابتعاد المسلمين عمّنْ أيّدهم الله عزّ شأنه بالكرامات وهم السادة المرشدون والأولياء والصالحون رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

ومع ذلك فإنّ الكرامات التي ذكرتها في سؤالك موجودة لكنّها لم تجد صدى واسعا يسمح بانتشارها بين الناس لأنّها حوربت من قبل الذين تلوّثت فطرهم وتشوّهت معتقداتهم من جانب، ولكثرة المدعين لها من جانب آخر.

أمّا هدم المساجد وقبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء رضي الله تعالى عنهم وعنكم فلحكمة يعلمها الله عزّ وجلّ، وقد حصلت في التأريخ حوادث مشابهة مثل هدم الكعبة المشرّفة أكثر من مرّة بسبب تعرّضها للضرب بالمنجنيق، وإغلاق المسجد النبويّ الشريف أثناء معارك الحرّة، وتعرّضه للاحتراق مرّتين، وما يحدث الآن في المسجد الأقصى وغيره من المساجد ليتحقق وعيد الله سبحانه فيمَنْ يفعل ذلك إذ قال {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114]، فهذا وعد الله تعالى الذي لا يُخلف ووعيده الذي لا يُصرف لمَنْ تسوّل له نفسه أنْ يفعل مثل هذا التصرّف، الخزيّ في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.

ويبقى أنْ أؤكد على ما شدّد عليه أسلافُنا رضي الله تعالى عنهم وعنكم وهو: أنّ الاستقامة هي الكرامة، فالواجبُ علينا بصفتنا مسلمين أنْ نُراجع أنفسنا وعلاقتنا مع الخالق عزّ وجلّ ومدى التزامنا بمنهج دينهِ العظيمِ وسنةِ نبيّهِ الكريمِ عليهِ وآله وصحبهِ أفضلُ الصّلاةِ والتسليمِ، عندئذٍ لن نلتفتَ إلى خوارقِ العاداتِ مع اعتزازنا بها إلّا من باب الاستئناسِ وتقوية إيمانِ البعض، ونحن أولاً وآخراً عبيد لله تعالى مأمورون بالدفاع عن حرماته قدر استطاعتنا ولا يمكن أنْ نقف مكتوفي
الأيدي بانتظار الكرامة لتدافع نيابة عنّا، فهذا من ضمن امتحان الخالق سبحانه لنا في هذه الحياة الدنيا.

ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (150، 484، 637، 1607، 1680، 1705) في هذا الموقع الكريم.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على نبيّنا المكرّم ورسولنا المعظّم وعلى آله وصحبه أهل الفضل والعلم.