2015/05/25
السؤال:
السلام عليكم هل يجوز أنْ يستدل بقوله (إنّه من كيدكنّ إنّ كيدكنّ عظيم) لأنّ هذا القول هو قول العزيز.
الاسم: يونس
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته .
قال ربُّنا جلَّ جلالهُ وعمَّ نوالهُ {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء : 106].
كلامُ ربِّنا سبْحانَهُ وتعالى المُنْزلُ على نبينا وحبيبنا محمدٍ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وصحبهِ وسلم المُتعبدُ بتلاوتهِ، يجوزُ الاستدلالُ بحكاياتهِ ولكنْ على حسبِ مقتضى النَّصِ ولبيانِ وتوضيح هذا الأمرِ أنقلُ كلاماً للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابهِ المسمّى الموافقات جاء فيهِ (كُلُّ حِكَايَةٍ وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ; فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقَعَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا وَهُوَ الْأَكْثَرُ رَدٌّ لَهَا أَوْ لَا، فَإِنْ وَقَعَ رَدٌّ فَلَا إِشْكَالَ فِي بُطْلَانِ ذَلِكَ الْمَحْكِيِّ وَكَذِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مَعَهَا رَدٌّ فَذَلِكَ دَلِيلُ صِحَّةِ الْمَحْكِيِّ وَصِدْقِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ; فَظَاهِرٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ —} [الفرقان : 4]، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ {— فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان : 4]، وَأَشْبَهِ ذَلِكَ . وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَأَحْضَرَهُ فِي ذِهْنِهِ عَرَفَ هَذَا بِيُسْر.
وَأَمَّا الثَّانِي; فَظَاهِرٌ أَيْضًا، وَلَكِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ نَفْسِ الْحِكَايَةِ وَإِقْرَارِهَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ سُمِّيَ فُرْقَانًا وَهُدًى وَبُرْهَانًا وَبَيَانًا وَتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْخَلْقِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ وَالْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَأْبَى أَنْ يُحْكَى فِيهِ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ ثُمَّ لَا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْقِسْمِ جَمِيعُ مَا حُكِيَ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ مِمَّا كَانَ حَقًّا; كَحِكَايَتِهِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَمِنْهُ قِصَّةُ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَقِصَّةُ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِصَّةُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ) انتهى.
فتبين ممّا سبق: أنَّ قولَ عزيز مصر {— إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف عليه السلام : 28]، ورد في سياق القصص القرآني مِنْ غير نكيرٍ ولا إبطالٍ، وهو كلامٌ مقبولٌ في نفسهِ، لكنْ في سياقه الخاص، بمعنى أنَّهُ كان خطاباً لنساءٍ معينات حاضرات، فوجَّهَ الكلام إليهنَّ، باعتبار ما فعلنَ وقلنَ، فقال العزيزُ لهؤلاءِ النسوةِ {— إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} نظرا لِمَا فعلَتْهُ امرأةُ العزيزِ مِنَ الحيلةِ للتخلص مِنْ فضيحتها ومعصيتها .
وهكذا يكون حالُ كلّ امرأةٍ، تحتال لِتُقْلِبَ الحقَّ باطلاً، أو الباطلَ حقاً، فتتوسلُ بالحيلةِ والكيدِ لتغييرِ الحقائقِ وتعويضِ ما جُبلتْ عليه مِنْ ضعفِ النَّفس.
وليس في هذا دليلٌ على أنَّ جميع نساء العالمين كَيْدَهُنَّ عَظِيمٌ، ولا أنَّ جميع النساء يحتلنَ لقلْبِ الحقِّ باطلاً ، وقلْبِ الباطلِ حقاً.
ثمَّ إنَّ القاعدة تشير إلى أنَّ ذمَّة الإنسان الأصل فيها البراءة فتكون بريئة مِنَ الالتزامات وغير مشغولة بحق آخر، لأنَّ كلَّ إنسان حين يأتي إلى هذه الحياة فإنَّهُ يُولد وذمته بريئة، وإنَّما تشغل هذه الذمّة فيما بعد بأسباب عارضة وفقاً لِما يحدث مِنَ الالتزامات في المعاملات التي يُجريها الإنسان فيما بعد.
إنَّ الإسلام أشار كذلك وفي آيات كثيرة إلى أنَّ الجزاء في الآخرة لا يرتبط بالمرأة دون الرجل بل الاثنان متساويان في الدعوة إلى العمل الصالح والثواب والعقاب، فيذكر بكلِّ تعظيم وتقدير زوجات سيِّدنا آدم وسيِّدنا إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، ويَذكُرُ أمِّ سيّدنا موسى وأمِّ سيّدنا عيسى عليهم السلام، وهنَّ نساءٌ صالحاتٌ طائعاتٌ لله سبْحانَهُ وتعالى، وذكر أيضاً نساء غير صالحات كما ذكر الرجال, ذكرَ زوجاتِ سيّدنا نوحٍ وسيّدنا لوطٍ عليهما السلام، ذكرهنَّ على أنهُنَّ كنّ زوجاتٍ غير صالحات، ولكنْ أشار إلى امرأة فرعون على أنَّها عظيمة ابتليت برجل كافرٍ، وكان القرآن قد حفظ في قصصِه التوازن بين الرجل والمرأة ولم يقـتصرْ في ذكرِه على رجالٍ صالحين أو نساءٍ صالحاتٍ أو رجالٍ كافرينَ أو نساءٍ
غيرِ صالحاتٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ الإسلام لا يرى فرقاً بين الرجلِ والمرأةِ في العمل الصالح أو الدعوة إلى الرسالة, وإلا لَمَا دعاهما بصورة متساوية ومتكافئة إلى العمل الصالح، كما وردت في آيات كثيرة ومنها:-
قول الباري سبْحانَهُ {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ …} [آل عمران عليهم السلام: 195].
وكذلك قوله عزّ وجلّ {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء : 124].
وكذلك قال جلَّ في علاهُ {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة : 71].
وقال الرحيم الرحمن تبارك اسمهُ أيضاً {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الحديد : 12].
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ رضي الله تعالى عنهما قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي (أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً فَقَالَ أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وَمَعْنَى قَوْلِهِ (عَوَانٌ عِنْدَكُمْ) يَعْنِي أَسْرَى فِي أَيْدِيكُمْ.
وقَالَ سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالاهُ (مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ) الإمام الحاكم رحمه الله جلّ جلاله.
فالمسلم مَنْ يوازن بين هذه النصوص، ولا يتعامل مع الدين بما تشتهيه نفسه، وصلى اللهُ تعالى على سيِّدنا وحبيبنا وشفيع ذنوبنا محمدٍ وعلى آله الأطهار وصحبهِ الأخيار وسلَّمَ تسليماً كثيراً.
والله سبْحانَهُ وتعالى أعلم.