2015/06/05
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
لديّ سؤال بسيط أود استفساره من حضرتكم سيّدي:
هل تقبل دعوات المجانين؟
علما أنه يتوضأ ويصلي وطاهر.
وشكرا جزيلا.
الاسم: سجاد مراد
الرد:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ في علاه لي ولكم وللمسلمين الموفقية والسداد والرحمة والإمداد.
أما بعد:
فالدعاء مظهر من مظاهر العبادة والطاعة بدليل قوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم: (الدعاء هو العبادة) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.
ومن التوجيهات القرآنية الكريمة طلب الدعاء والاستغفار من عباد الله الصالحين رضي الله تعالى عنهم وغيرهم كقوله جلّ وعلا {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [سورة النساء/64].
وشنّع الله تعالى على المنافقين لأنّهم كانوا يصدّون أنفسهم وغيرهم عن السعي إلى سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام ليستغفر لهم ويستكبرون عن ذلك، كما قال سبحانه {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة المنافقون/5-6].
وقول الله عزّ وجلّ عن إخوة سيّدنا يوسف عليه السلام {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [سورة سيدنا يوسف عليه السلام /97].
وقال تعالى {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [سورة الحشر/10].
وطلب المسلم الدعاء من إخوانه المسلمين وخاصة الصالحين جائز لا حرج فيه؛ للأدلة الكثيرة الواردة في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهّرة، حتى نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى الإجماع عليه, حيث يقول رحمه الله جلّ جلاله (باب استحباب طلب الدعاء من أهل الفضل، وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه، والدعاء في المواضع الشريفة: اعلم أنّ الأحاديث في هذا الباب أكثر من أنْ تحصر، وهو أمر مجمع عليه) كتاب الأذكار (ص/643).
ويتأكد الدعاء في الأوقات الشريفة والأماكن المباركة ومن العباد الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فأرشدنا مولانا جلّ شأنه الى دعاء سيّدنا زكريا عليه السلام عند محراب السيّدة مريم عليها السلام لما رأى من الأمور الخارقة والكرامات الظاهرة فقال عزّ وجلّ {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء * فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [سورة آل عمران عليهم السلام/38-40].
وكان من هدي الحبيب صلّى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وآله وصحابته أنْ يرشد امته في فقه الدعاء وطلبه من عباد الله الصالحين رضي الله سبحانه عنهم أجمعين لأنّ ذلك من مظان الإجابة، فعَنْ سَيّدنا بُرَيْدَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ (بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ إِذْ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي الرَّمْضَاءِ، وَيَقُولُ: يَا نَفْسُ نَوْمٌ بِاللَّيْلِ وَبَاطِلٌ بِالنَّهَارِ، وَتَرْجِينَ أَنْ تَدْخُلِي الْجَنَّةَ ؟! قَالَ: فَوَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَظُنُّهُ قَالَ: ذَاتَ نَفْسِهِ، أَقْبِلْ بِهِ عَلَيْنَا، فَقَالَ: دُونَكُمْ أَخُوكُمْ، قَالَ: قُلْنَا: ادْعُ لَنَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ!، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْمَعْ عَلَى
الْهُدَى أَمْرَهُمْ، قَالَ: قُلْنَا: زِدْنَا رَحِمَكَ اللَّهُ!، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ التَّقْوَى زَادَهُمْ، قَالَ: قُلْنَا: زِدْنَا رَحِمَكَ اللَّهُ!، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: زِدْهُمُ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْجَنَّةَ مآبَهُمْ) الإمام الطبراني رحمه المولى عزّ وجلّ.
وعَنْ صَفْوَانَ – وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ – وَكَانَتْ تَحْتَهُ الدَّرْدَاءُ قَالَ (قَدِمْتُ الشَّامَ، فَأَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ ، فَلَمْ أَجِدْهُ، وَوَجَدْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ، فَقَالَتْ: أَتُرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ، قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ، فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ يَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الإمام مسلم رحمه الله جل شأنه.
وعَنْ سيّدنا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ (اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لِي وَقَالَ: لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ، فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا) الإمام أبو داود رحمه المنعم الودود جلّ وعلا.
وأمّا الأحاديث التي فيها طلب الصحابة رضي الله سبحانه عنهم الدعاء والاستغفار من حضرة النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فهي كثيرة جدا:
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنَةِ مِلْحَانَ فَاتَّكَأَ عِنْدَهَا، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقَالَتْ: لِمَ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ الْأَخْضَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَثَلُهُمْ مَثَلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ ثُمَّ عَادَ فَضَحِكَ، فَقَالَتْ لَهُ: مِثْلَ أَوْ مِمَّ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا: مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَلَسْتِ مِنَ الْآخِرِينَ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ مَعَ بِنْتِ قَرَظَةَ فَلَمَّا، قَفَلَتْ رَكِبَتْ دَابَّتَهَا فَوَقَصَتْ بِهَا، فَسَقَطَتْ عَنْهَا فَمَاتَتْ) الإمام البخاري رحمه الرب الباري جل ذكره.
أمّا ما ورد في السؤال هل تقبل دعوات المجانين؟ فنحن مطالبون بطلب الدعاء من أهل الفضل والصلاح ومَن لهم إمارات وعلامات في استجابة دعواتهم كما مرّ من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، وليس من المجانين هذا من جهة ومن جهة أخرى لم يرد في السنّة المطهّرة ما يدلّ على أنَّ دعاء المجنون مستجاب، ولأنَّ دعاء المجنون صادر عن غير فهم وعلم، فهو لا يتضمن على معنى الدعاء الذي هو العبادة، والذي يقتضي من الداعي استحضار معاني الإلوهية والربوبية والعظمة لله عزّ وجلّ، واستحضار فقر الداعي وذلّه وانكساره بين يدي الله جلّ جلاله، فالجنون من عوارض أهلية الأداء وهو يزيلها من أصلها، فلا تترتب على تصرفاته آثارها الشرعية، لأنّ أساس أهلية الأداء في الإنسان التمييز والعقل، والمجنون عديم العقل والتمييز، وقد بيَّن الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم: أنّ الجنون اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلاّ نادراً.
أو هو اختلال القوّة المميّزة بين الأشياء الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب بأنْ لا تظهر آثارها، وأنْ تتعطّل أفعالها.
أو هو اختلال القوّة الّتي بها إدراك الكلّيّات.
وقد رُفع عنه القلم، بقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام (رُفِعَ الْقَلَمُ، عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) الإمام النسائي رحمه الله سبحانه.
فالمجنون إذا دعا إنّما يهذي بكلمات لا يدري ما تعني ولا يقصد ما تتضمن، وقد يكون لبعض المجانين غير المكلفين تمييز نسبي بين مَن يحسن إليه ويكرمه، وبين مَن يؤذيه ويهينه، وربما دعا بكلمات طيبة لمَنْ يكرمُه ويُحسن إليه، وربما دعا ـ أيضا ـ على مَن يُؤذيه ويُهينه، وليس ببعيد أنْ تستجاب دعوته حينئذ؛ خاصة إذا كان مظلوما، يستنصر على ظالمه
لقوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين (ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ) الإمام مسلم رحمه المولى المنعم.
وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة (1528، 1994، 2083) في هذا الموقع المبارك، والله تعالى أعلم وأحكم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على المؤيد بالمعجزات الظاهرة والكمالات الباهرة سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أصحاب القلوب الذاكرة، والله تعالى أعلم وأحكم.