2015/06/12
السؤال:
السلام عليكم حضرة سيّدنا الشيخ سعدالله عارف البرزنجي حفظكم الله تعالى هل الذي يرى النبيّ صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم يقظة يراه حقيقة أم مثالا؟ وما حكم المثال الذي يثبته السادة الصوفية فيمَنْ يستنجد ويتوسّل إلى الله بقبر صالح فيخرج له مثال الرجل الصالح فيخلصه مثلا من أعداء أحاطوا به ويقتلهم؟ فقد قرأت قريبا من ذلك في كتاب نفحات القرب والاتصال في تصرّف الأولياء بعد الممات، فكثيرا في المدح العامي للمدائح نسمع كثيرا لفظ اندب وانخه وجاء بعجل (أي سرعة) ويحضر المحسوب (أي الشيخ) ويقدون في كلّ ذلك حضور أمثلة لصالحين أموات؟ وجزاكم الله تعالى ألف خير.
الاسم: سعد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته, حفظكم الله سبحانه وسدَّد خطاكم.
قال القادر المقتدر جلَّت عظمته {— فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم عليها السلام: 17].
وقال مَنْ لا ينطق عن الهوى صلَّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه سادة الورى (مَنْ رآني فَقَد رَأى الحَقَّ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
1- ينبغي للمسلم أنْ يكون على مستوى مطلوب مِنَ الثقافة الروحية وذا إطلاع وفهم لوظيفة الروح وطاقاتها وآثارها، والمنغلق بأفكار محدودة سيصعب عليه فهم هذه الأمور وما يتعلق بها، ومِنْ أكبر الأخطاء قياس عالم الروح على عالم المادة، قال فضيلة الشيخ ابن القيم رحمه الربُّ المنعم في كتاب الروح:-
(للروح شأن آخر غير شأن البدن، فتكون في الرفيق الأعلى، وهي متصلة ببدن الميت، بحيث إذا سلّم على صاحبها ردّ السلام، وهي في مكانها هناك، وهذا جبريل رآه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وله ستمائة جناح، منها جناحان سدا الأفق، وكان يدنو مِنَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتى يضع ركبتيه على ركبتيه، ويديه على فخذيه، وقلوب المخلصين تتسع للإيمان بأنَّ مِنَ الممكن أنَّه كان يدنو هذا الدنو وهو في مستقره مِنَ السماوات).
2- عالم المثال هو العالم الذي تتجسد فيه الروحانيات وتلبس المعاني فيه لباسا ماديا، فالقرآن الكريم قد صرّح بأنَّ سيّدنا جبريل عليه السلام قد تمثّل للسيدة مريم العذراء عليها السلام بشراً سوياً، وجاءت الملائكة أيضاً في صورة آدمية في قصة سيّدنا إبراهيم وسيّدنا لوط عليهما الصلاة والسلام، وتنزلت الملائكة في غزوة بدر الكبرى تقاتل في صفوف المسلمين، وظهر الروح الأمين لصحابة النبيّ صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم في صورة بشرية حتى جلس إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وعلاماتها بألفاظ حسية سمعها الصحابة رضوان الله تبارك عليهم أجمعين.
ولم يشك أحدٌ منهم أنَّه غير آدمي، لولا أنْ أعلمهم المصطفى صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والوفا بأنَّه سيّدنا جبريل عليه السلام جاءهم ليعلّمهم دينهم، وقد ثبت أنَّ سيّدنا رسول الله تعالى صلَّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه رأى أخاه سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام قائماً يصلي في قبره، والصلاة مِنْ أفعال الأجساد، ثمّ رآه مرّة أخرى في المسجد الأقصى يصلي خلفه، واجتمع به مرّة ثالثة يتردد بينه وبين ربّه جلَّ وعلا في العالم العلوي.
3- إنَّ رؤية النبي صلّى الله تعالى على ذاته وصفاته وآله وصحابته في اليقظة ليست مِنَ المسائل التشريعية التي يترتّب عليها زيادة في الدين، أو نقص فيه، ورؤياه في اليقظة في حقيقتها رؤيا في عالم الروح، قال الإمام السيوطي رحمه الله المنَّان تبارك اسمه:-
(تنبيهات: الأول: أكثر ما تقع رؤية النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم في اليقظة بالقلب ثمّ يترقى إلى أنْ يرى بالبصر، وقد تقدّم الأمران في كلام القاضي أبي بكر بن العربي لكنْ ليست الرؤية البصرية كالرؤية المتعارفة عند الناس مِنْ رؤية بعضهم لبعض وإنَّما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني لا يدرك حقيقته إلا مَنْ باشره.
الثاني: هل الرؤية لذات المصطفى صلّى الله عليه وسلّم بجسمه وروحه أو لمثاله؟ الذين رأيتهم مِنْ أرباب الأحوال يقولون بالثاني وبه صرّح الغزالي فقال: ليس المراد أنَّه يرى جسمه وبدنه بل مثالا له صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه، قال: والآلة تارة تكون حقيقة، وتارة تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه مِنَ الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق، قال: ومثل ذلك مَنْ يرى الله تعالى في المنام فإنَّ ذاته منزّهة عن الشكل والصورة ولكنْ تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس مِنْ نور أو غيره، ويكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف فيقول الرائي: رأيت الله في المنام، لا يعني أنَّي رأيت ذات الله كما تقول في حق
غيره انتهى. وفصَّل القاضي أبو بكر بن العربي فقال: رؤية النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال. وهذا الذي قاله في غاية الحسن ولا يمتنع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه وذلك لأنَّه صلَّى الله عليه وسلّم وسائر الأنبياء أحياء رُدَّت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا وأذن لهم بالخروج من قبورهم والتصرّف في الملكوت العلوي والسفلي. وقد ألّف البيهقي جزءا في حياة الأنبياء. وقال في دلائل النبوّة: الأنبياء أحياء عند ربهم كالشهداء.
الثالث: سئل بعضهم كيف يراه الراؤون المتعددون في أقطار متباعدة؟ فأنشد:
كالشمس في كبد السماء وضوؤها *** يَغشى البلادَ مشارقاً ومغارباً
ثمَّ قال بعد ذلك:
(فحصل مِنْ مجموع هذه النقول والأحاديث أنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم حيٌّ بجسده وروحه وأنَّه يتصرّف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدّل منه شيء وأنَّه مغيّب عن الأبصار كما غيّبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم فإذا أراد الله رفع الحجاب عمّن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها لا مانع مِنْ ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال) تنوير الحلك في إمكان رؤية النبيّ والمَلَك.
ومِنَ النافع جدا في هذا الباب مراجعة رسالة تنوير الحَلِك في إمكان رؤية النبيّ والمَلَك، ورسالة القول المنجلي في تطور الولي، وكلاهما للإمام السيوطي رحمه ربُّنا جلَّ وعلا.
4- أمَّا بخصوص الاستنجاد بقبر صالح وتلك المصطلحات المذكورة، فكرامات الأولياء رضي الله عزّ وجلَّ عنهم وعنكم ثابتة لهم بعد الموت، وتلك المصطلحات موهمة، على أنَّ العبد الفقير لا يميل إلى استخدامها ولا يحب التوسّع في هذه المسائل وشبيهاتها، ولا طرحها على الملأ في الوقت الراهن، ولتمام الجواب يُرجى مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (155، 355، 389، 510، 1233، 1680) في هذا الموقع المبارك.
وصلّى الله القدير جلَّ شأنه وسلَّم على النبيّ المنير سيّدنا مُحمَّد الذي هو لأمته فائقٌ وسعدٌ وحمدٌ وطارقٌ للخير وبشيرٌ وعلى آله وصحبه ذوي القدر الكبير.
والله الخالق تعالى الرازق أعلم بالحقائق.