2015/06/20
السؤال:
السلام عليكم ورحمته الله وبركاته
سؤالي الأول عن صحتك شيخنا الجليل وإنْ شاء الله تكون بأحسن حال.
شيخنا لدي محل أريد أنْ أسميه (أسواق المؤمن) فهل يجوز هذا الاسم علما أنّ اسم ابني هو مؤمن وشكرا.
الاسم: محمد رشيد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاتهُ، أشكرك على سؤالك عني، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يحفظكم ويرعاكم ويسدد على طريق الخير والنور والرحمة والبركة خطاكم إنّه سبحانه وليّ ذلك والقادر عليه.
قال ربُّنا تبارك اسمهُ:
{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء : 110].
فإنَّ الاسمَّ عنْوانُ المُسمَّى، ودليلٌ عليه، وضرورةٌ للتفاهمِ معهُ ومنْهُ وإليهِ، وهو للمولودِ زينةٌ ووعاءٌ وشعارٌ يُدعى به في الآخرةِ والأولى، وتنويهٌ بالدِّينِ، وإشعارٌ بأنَّهُ مِنْ أهلهِ، ثمَّ هُو رمزٌ يُعبِّرُ عَنْ هويةِ والدِهِ، ومعيارٌ دقيقٌ لديانَتِهِ، وهو في طبائعِ النَّاسِ لَهُ اعْتباراتهُ ودلالاتهُ، فهُو عنْدَهُمْ كالثوبِ، إنْ قصُرَ شانَ، وإنْ طالَ شانَ.
ولهذا صارَ مَنْ يملكُ حقَّ التسميةِ (الأبُ) مأسوراً في قالبِ الشريعةِ ولِسَانِها العربِي المُبين، حتى لا يُجْنِي على مولودِهِ باسمٍ يشينَهُ.
فينبغِي للأبِ أنْ يُحسِنَ تسمِيةَ ابْنِهِ، وأنْ يكونَ ذلكَ الاسمُ يُميِّزَهُ إذا دُعِي بهِ بينَ النَّاسِ، فأسماءُ الرَّبِّ تباركَ وتعالَى على نوعَينِ، فمِنْها ما يَخْتصُ بهِ تعالَى: كلفظِ الجلالةِ (اللهِ) وكذلكَ (الرَّحمنِ) و(المُتكبِرِ) ونحْوها ـ فهذهِ لا يجُوزُ أنْ يُسمّى بها غيرهُ ـ لا الأشخاصَ ولا المحلاتِ ولا غيرها ـ
وأمَّا أسمَاءُ الرَّبِّ غير المخْتصةِ بهِ فيجُوزُ التسمِيةَ بها.
قالَ الإمامُ النووي في شرْحِ صحيحِ الإمامِ مُسلم رحِمهما الرَّحيمُ الرحمنُ:-
(وَاَعْلَمُ أَنَّ التَّسَمِّيَ بِهَذَا الاسم – يعني ملك الأملاك – حرام، وَكَذَلِكَ التَّسَمِّي بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُخْتَصَّةِ بِهِ كَالرَّحْمَنِ وَالْقُدُّوسِ وَالْمُهَيْمِنِ وَخَالِقِ الْخَلْقِ وَنَحْوِهَا).
وقال الشيخ ابن القيم رحمهُ اللهُ عزّ وجلّ في تحفة المودود:-
(والمقصودُ أنَّهُ لا يجُوزُ لأحَدٍ أنْ يتسمَّى بأسماءِ اللهِ المُخْتصةِ بهِ، وَأمَّا الْأَسْمَاءُ الَّتِي تُطلقُ عَلَيْهِ وعَلى غَيرهِ كالسميعِ والبصيرِ والرؤوفِ والرحيمِ فَيجوزُ أَنْ يُخبرُ بمعانِيها عَن الْمَخْلُوقِ وَلَا يجُوزُ أَنْ يتسمَّى بهَا على الْإِطْلَاقِ بِحَيْثُ يُطلقُ عَلَيْهِ كَمَا يُطلقُ على الرَّبِّ تَعَالَى) انتهى.
والأوْلَى إضافَةُ كلمةِ (عبد) قبلَ الاسمِ، فجمهُورُ الفقهاءِ رضي اللهُ تعالى عنهم وعنكم على استحبابِ التسمية بكلِّ مُعبدٍ مضافٍ إلى اللهِ سبْحانَهُ وتعالى، كعبدِ اللهِ، وعبدِ الكريمِ، وعبدِ الغفورِ، فقد قال سيِّدُ الثقلينِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ:-
(إنَّ أحَبَّ أسمائِكُم إلى اللهِ عبْدُ اللهِ وعبْدُ الرَّحمنِ) الإمامُ مُسلم رحمهُ المنعم جلّ جلاله.
قَالَ الإمامُ الْقُرْطُبِيُّ رحمهُ اللهُ تعالى:-
(يَلْتَحِقُ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مَا كَانَ مِثْلَهُمَا كَعَبْدِ الرَّحِيمِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الصَّمَدِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مَا هُوَ وَصْفٌ وَاجِبٌ لِلَّهِ وَمَا هُوَ وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ وَوَاجِبٌ لَهُ وَهُوَ الْعُبُودِيَّةُ. ثُمَّ أُضِيفَ الْعَبْدُ إِلَى الرَّبِّ إِضَافَةً حَقِيقِيَّةً فَصَدَقَتْ أَفْرَادُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَشَرُفَتْ بِهَذَا التَّرْكِيبِ فَحَصَلَتْ لَهَا هَذِهِ الْفَضِيلَةُ).
هذا كلُّهُ ذكرته هنا للفائدةِ وإلا فالحالةُ المذكورةُ في السؤالِ ليسَ فيها تسميةٌ بأسماءِ اللهِ تعالَى المُخْتصةِ، فاسمُ (المؤمنِ) ليس مِنَ الأسماءِ المُختصةِ.
ولكنْ يُشعر كلامُ بعض أهل العلمِ رضي اللهُ تعالى عنهم وعنكم بعدم جواز تسمية المحلات ونحوها بشيء مِنْ هذه الأسماء لِمَا قَدْ يُفضِي إليهِ مِنِ امتهانِ أسماءِ الرَّبِّ جلّ ذكره، ولِمَا فيهِ مِنَ الاستهانةِ بالأذكارِ وبأسماءِ اللهِ عزَّ وجلَّ، واستعمالُ ذلك فيما لا يُليقُ، واتخاذُهُ وسيلةً لأغراضٍ تخالفُ ما قصدَهُ الشرعُ المُطهَّرُ بها.
والحاصل أنَّ الأولى اجتنابُ تسميةُ المحلاتِ ونحوها بشيءٍ ممّا ذكرْتَ.
وأرجو مراجعة جوابِ السؤالِ المرقمِ (1709) في هذا الموقع المباركِ.
وصلِّ اللهُّمَّ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ الذي ملأْتَ قلبَهُ مِنْ جلالِكَ، وعيْنَهُ مِنْ جمَالِكَ، فأصْبحَ فرِحاً مُؤيداً منْصُوراً، وعلى آلهِ وصحْبِهِ وسلِّمْ تسليماً كثيراً.
واللهُ عزّ شأنه أعلم.