2015/06/20
السؤال:
السلام عليكم حضرة سيّدنا الشيخ سعد الله عارف حفظكم الله تعالى وبارك فيكم ما هي الهيئة الصحيحة والأرجح للإشارة والرفع للسبابة في التشهّد وزمانها؟ وجزاكم الله تعالى ألف خير.
الاسم: سعد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وأسأل الله جلّ وعلا أنْ يشغلني وإياكم بمعالي الأمور.
1- اتفق الفقهاء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم على أنَّ المصلّي إذا جلس للتشهّد الأوّل، أو الثاني فإنَّه يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى.
وذهب الجمهور إلى أنَّ المصلي يشير بسبابته في التشهّد، فالإشارة بالأصبع في الصلاة سنّة متفق عليها لصحة الأحاديث الواردة في ذلك، والحكمة منها دفع الشيطان، لما رواه الإمام أحمد رحمه الله الصمد تبارك شأنه عن نافع قال:-
(كان عبد الله بن عمر إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار بأصبعه وأتبعها بصره ثمَّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لهي أشدّ على الشيطان مِنَ الحديد يعني السبابة).
2- اختلف العلماء رضي الله جلَّ وعلا عنهم وعنكم القائلون بمشروعية الإشارة بالسبابة في التشهّد في وقت الإشارة بها إلى أربعة أقوال:
القول الأول: إنَّه يُشار بها إذا وصل إلى قوله أشهد أنَّ لا إله إلا الله، فيرفعها عند النفي، ويضعها عند الإثبات، وهذا مذهب القائلين بمشروعية الإشارة من السادة الحنفية رحمهم الحق تقدَّس اسمه.
القول الثاني: إنَّه يُشار بها في التشهّد كله، وهذا هو المشهور عند السادة المالكية رحمهم ربُّنا جلَّ اسمه، وللسادة الشافعية رحمهم المنَّان عزَّ كماله وجه شاذ: أنَّه يُشار بها في جميع تشهّده، وهو رواية في مذهب السادة الحنابلة رحمهم الكريم جلَّ ثناؤه.
القول الثالث: إنَّه يشير بها عند قوله إلا الله مِنَ التشهّد- أي عند لفظة الإثبات لا النفي- وهذا هو المذهب عند السادة الشافعية رحمهم الله تقدَّس وعلا.
القول الرابع: إنَّه يُشار بها عند ذكر الله تنزَّه اسمه والدعاء مرارًا، وهذا هو الصحيح مِنْ مذهب السادة الحنابلة رحمهم الله عزَّ جاره، وقال بعضهم: عند ذكر الله تعالى ورسوله صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم.
3- اختلف الفقهاء رحمهم القيوم جلَّت عظمته في تحريك الأصبع السبابة حالة الإشارة بها في التشهّد إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنَّه لا يحرّكها وهذا هو ظاهر مذهب السادة الحنفية رحمهم ربُّ البرية تعالى اسمه.
القول الثاني: إنَّه يحرّكها وهو المذهب عند السادة المالكية عليهم رحمة العظيم تبارك وتعالى.
القول الثالث: إنَّه لا يحرّكها، وإنْ حرَّكها كان مُحرّمًا وتبطل به الصلاة، وهو وجه عند السادة الشافعية عليهم الرحمة والرضوان مِنَ الربِّ المنَّان تعالى جَدَّه.
استدل مَنْ قال بعدم التحريك بما روي عن النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(كان يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحرّكها) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.
واستدل مَنْ قال بالتحريك بما روي عن سيّدنا وائل بن حجر رضي الله عنه أنَّه قال في صفة صلاة سيّدنا رسول الله صلَّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(— ثم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثمَّ قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة ثم َّرفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها) الإمام أبو داود رحمه ربُّنا المعبود جلَّ شأنه.
قال الإمام النووي رحمه الله القوي جلَّت ذاته:-
(وهل يحركها عند الرفع بالإشارة ؟ فيه أوجه (الصحيح) الذي قطع به الجمهور أنَّه لا يحركها, فلو حركها كان مكروها ولا تبطل صلاته; لأنَّه عمل قليل (والثاني) يحرم تحريكها, فإنْ حركها بطلت صلاته, حكاه عن أبي علي بن أبي هريرة وهو شاذ ضعيف (والثالث) يستحب تحريكها, حكاه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وآخرون. وقد يحتج لهذا بحديث وائل بن حجر رضي الله عنه (أنَّه وصف صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وذكر وضع اليدين في التشهد قال ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها) رواه البيهقي بإسناد صحيح قال البيهقي يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها , فيكون موافقا لرواية ابن الزبير, وذكر بإسناده الصحيح عن ابن الزبير رضي الله عنهما (أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يشير بأصبعه إذا دعا لا يحركها) رواه أبو داود بإسناد صحيح وأما الحديث المروي عن ابن عمر عن النبي صلَّى الله عليه وسلّم (تحريك الأصبع في الصلاة مذعرة للشيطان) فليس بصحيح . قال البيهقي تفرد به الواقدي وهو ضعيف).
وفي كتاب تحفة الأحوذي للإمام المباركفوري رحمه الله تقدَّست ذاته:-
(قد جاء في تحريك السبابة حين الإشارة حديثان مختلفان، فروى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال: (كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحركها) قال النووي إسناده صحيح. فهذا الحديث يدل صراحة على عدم التحريك وهو قول أبي حنيفة. وحديث وائل بن حجر يدل على التحريك وهو مذهب مالك. قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى يعارض حديث ابن الزبير عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه بلفظ (كان يشير بالسبابة ولا يحركها ولا يجاوز بصره إشارته) قال الشوكاني في النيل: ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي، رواية أبي داود لحديث وائل فإنها بلفظ: (وأشار بالسبابة)).
4- مَنْ ذهب إلى تحريك الأصبع في التشهّد كالسادة المالكية رحمهم الله تعالت عظمته فإنَّهم يرون أنَّ تحريكها يكون يمينا وشمالا، وأنْ يكون وسطاً بين السرعة والبطء لا إلى فوق وإلى تحت.
أمَّا تحريكها كما يفعل بعض الناس الذين يحرّكون دائمًا كأنَّهم يلعبون بأصابعهم، فهذا ليس مِنْ السنّة، ولو حرَّكها بتدوير أو بغير تدوير، فهذا مِنَ العبث الذي تُنزَّه الصلاة عنه، والحديث لم يقل يخفضها ويرفعها وإنَّما قال يحرّكها.
5- أمَّا حَنْيُ الأصبع في التشهّد, فعن سيّدنا نمير الخزاعي رضي الله تعالى عنه قال: (رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم واضعاً ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، رافعاً إصبعه السبابة قد حناها شيئاً) الإمام النسائي رحمه الله سبحانه.
إلا أنَّ زيادة (قد حناها) ضعّفها بعض أهل الحديث.
فالأمر فيه سعة ولله تعالى الحمد والفضل والمنّة كما هو واضح من الأدلة، والكلّ على صواب بإذن الله الكريم الوهاب، شريطة أنْ لا يعيب أحدهم الآخر، ولا يخطّئِه، إلا في الوضع الذي يؤدّي إلى العبث فهذا لا يُقبل، وينبغي على المسلمين أنْ لا ينشغلوا بهذه الأمور الفقهية الفرعية.
وصلِّ اللهمّ على مَنْ تفجرت المياه مِنْ بين أُصبعيه سيّدنا مُحمَّد, ما سرت الحوادي إليه، وتشرَّفت بالوقوف بين يديه، وعلى آله وصحبه ومَن صلَّى عليه.
والله ربُّنا المُنعم أعلى وأعلم وأحكم.