2015/06/21
السؤال:
السلام عليكم حضرة الشيخ سعد الله عارف حفظكم الله تعالى وبارك فيكم، لاشكّ أنّ السخاء من الأمور الفاضلة التي حثّ عليها الإسلام، ونجد من نفوسه طيبة إذا دعا الناس قدّم لهم الطعام الكثير وأفضل ما تجود به يده ولا يرضى بدون ذلك ولنا في العراق قبائل وبيوت اشتهرت بكرم الضيافة وحتى لو سألتهم أيّ شيء أعطوك، فما هو سيّدي الضابط بين الجود والكرم وبين الإسراف الممنوع؟ وجزاكم الله ألف خير.
الاسم: سعد
الرد:
وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتهُ، أدعو المولى القدير أنْ يحفظكم ويرعاكم.
وبعد:
قال الكفوي رحمه الله جلّ وعلا في كتابهِ الكليات:-
(الجُود: هو صفة ذاتيَّة للجَوَاد، ولا يستحقُّ بالاستحقاق ولا بالسُّؤال. والكَرَم: مسبوقٌ باستحقاق السَّائل والسُّؤال منه).
وقال أبو هلال العسكري في الفرق بينهما:-
(إنَّ الجَوَاد هو الذي يعطي مع السُّؤال. والكريم: الذي يعطي مِن غير سؤال، وقيل بالعكس. وقيل: الجُود: إفادة ما ينبغي لا لغرض. والكَرَم: إيثار الغير بالخير) معجم الفروق اللغوية.
وأمَّا سؤالكَ عَنِ الإسراف فالمشهور أنَّ الإسراف والتبذير بمعنى واحدٍ، وهما يشملان الأقوال والأفعال وغيرهما، ومِنَ العلماءِ رضي الله تعالى عنهم وعنكم مَنْ فرَّقَ بينهما فقالَ:-
التبذيرُ: هو الجهلُ بمواقعِ الحقوقِ.
والسرف: هو الجهلُ بمقاديرِ الحقوق.
قالَ الإمامُ ابن عابدين رحمه الرحمن الرحيم سبحانه:-
(التبذيرُ يُستعملُ في المشهُورِ بمعنى الإسرافَ، والتحقيقُ أنَّ بينهما فرقاً، وهو أنَّ الإسرافَ: صرف الشيء فيما ينبغي زائداً على ما ينبغي، والتبذيرُ: صرفُ الشيءِ فيما لا ينبغي).
ومنهم مَنْ فرَّقَ تفريقاً آخرَ ، فخصَّ التبذير بإنفاقِ المالِ في المعاصي، وتفريقه في غير حقٍ، وقال: إنَّ الإسراف هو مجاوزةُ الحدِّ، سواءٌ كانَ في الأموالِ أمْ غيرها، كالإسرافِ في القتلِ والكلامِ وغير ذلك.
والإسرافُ خُلقٌ مذمومٌ، أفتى العلماءُ بحرمتِهِ، ومنهم مَنْ قال بكراهته، والقول بالحرمَةِ أولى، لأنَّ الأدلة تشهدُ لَهُ، وقواعدُ الشريعةِ تعضده وتقويه.
قال الإمام السرخسي رحمه الله تعالى في المبسوط:-
(وأمَّا السرفُ فحرامٌ، لقولِ اللهِ تعالى { —وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام : 141]، وقال جلّ وعلا {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا —} [الفرقان : 67]، وذلك دليل على أنَّ الإسراف والتقتير حرامٌ، وأنَّ المندوب إليه ما بينهما).
والمسرف غيرُ محبوبٍ عند اللهِ جلّ في علاه، فقد قال سبحانه:-
{— وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام : 141].
فضلاً عَنْ أنَّ الإسراف يؤدي إلى كثيرٍ مِنَ المعاصي الأخرى، كقصْدِ السمعةِ والرياءِ بهذا السَرَفِ، والوقوع في البطالةِ وضُعْفِ النَّفسِ والكسلِ.
وأمَّا السنَّةِ فقد وردَ فيها قولُ سيّدنا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالاه:-
(مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أَكَلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) الْإِمَامُ الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
وجاءَ في صحيح الإمام البخاري رحمهُ اللهُ جلّ وعلا كِتَاب اللِّبَاسِ بَاب:-
(قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي اللهُ تعالى عنهما (كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ).
فقد أوضح الله عزّ شأنه في كتابه الكريم المنهج القويم الذي ينبغي على العبد أنْ يسير عليه حال الإنفاق، فقال مادحاً عباده المؤمنين واصفاً لهم:-
{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان : 67].
قال الإمامُ ابن كثير رحمه الله تعالى:-
(أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلاً خياراً، وخير الأمور أوسطها).
وعلينا أنْ نعرفَ أنَّ مكاسب العبادِ مختلفة وأرزاقهم متفاوتة، وبالتالي تختلف النفقات مِنْ شخصٍ إلى شخصٍ، ومِنْ بيتٍ إلى بيتٍ، ومِنْ طبقةٍ إلى طبقةٍ، فيُعدُّ إسرافاً في حقِّ بعضِ النَّاسِ ما لا يعدُّ إسرافاً في حقِّ غيرِهِ نتيجة للتفاوتِ في الرِّزقِ بينهم، فمَنْ يملكُ الملايينَ ليس كمَنْ لا يملكها، فمَنْ تجاوزَ طاقتُهُ مباراةً لِمَنْ هم أغنى منْهُ وأقدر كانَ مسرفاً.
وعلى هذا، فمَنْ كان يملكُ ألفاً ليس كمَنْ يملك مليوناً مثلاً، فإذا كان المتعارف عليه فيمَنْ هم في طبقة صاحب الألفِ أنَّهُ إذا اشترى لواحدٍ خاتماً مثلاً يشتريهِ بمائةٍ فاشترى بمائتينِ فهذا إسراف، فكيف إذا اشتراهُ بألفٍ فأنفق كلَّ ما يملكُ، وهذا قدْ يحدثُ مِنْ كثيرٍ مِنَ النَّاسِ يُنفقُ كلَّ ما معه في شراءِ بعض الكماليات ثمَّ يَعْجزُ عمَّا يَجبُ عليهِ مِنَ النفقاتِ، فهذا هو عينُ الإسراف.
وصلِّ اللهمَّ وسلِّمْ وبارك على صاحب الخُلق العظيم، والقدر الفخيم، مَنْ أرسلته رحمة للعالمين، سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، وألحِقْنا بخُلقهِ وأدِّبْنا بأدبهِ، وأحيِّ فينا وفي أُمَّتِهِ هذهِ المعاني يا كريم.
واللهُ تبارك اسمه أعلمُ.