2015/06/28

السؤال:

السلام عليكم

امرأة مطلقة ثلاث مرّات، عُقِدَ عقد زواج من شخص آخر وكان عقد الزواج الثاني الغرض منه زواج دائم وليس مؤقتا توفي زوجها الثاني قبل الدخول بها، هل يجوز لزوجها الثاني (الأوّل) الزواج منها.

مع الاحترام والتقدير لجنابكم الكريم.

الاسم: ابو عناد الشمري

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

اشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك وأسأل الله جلّ وعلا لك ولجميع المسلمين السداد والتوفيق إنّه سبحانه وليّ ذلك والقادر عليه.

الطلاق ثلاثاً يَطلق عليه الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم اسم (البائن بينونة كبرى)، وبه لا تحل المطلقة لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره،  قال الحق عزّ شأنه:-

{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [البقرة : 229 – 230].

ومعنى تنكح أي تتزوّج ويدخل بها زوجها دخولاً صحيحاً، ففي الحديث:-

(جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَأَبَتَّ طَلاَقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

ومعنى حتى تذوق عسيلته كناية عن الجماع، ومعنى هدبة الثوب كناية عن عدم قدرة زوجها الثاني من الوطء.

وقد اتفق الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على أنّه إذا توفي عنها زوجها قبل أنْ يمسّها لا تحلّ بذلك لمَنْ طلّقها قبله ثلاثا لأنّه نكاح ليس فيه مسيس، فلم يتعلق بذلك حكم الإحلال، لأنّ الإحلال لا يكون بالعقد وإنّما يكون بالوطء، ومع أنّ وفاة الزوج يقع بها كمال المهر إلا أنّه لا يقع به الإحلال ولا الإحصان.

وقد خالف هذا الأِجماع سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى حيث قال:-

(إذا تزوّجها زواجا صحيحا لا يريد به إحلالا فلا بأس أنْ يتزوجها الأول).

لحمله النكاح في الآية على العقد دون الجماع، فحين سأل عن المطلقة ثلاثا ثم تتزوج قال:-

(أمّا الناس فيقولون: يجامعها، وأمّا أنا فإنّي أقول: إذا تزوّجها بتزويج صحيح لا يريد بذلك إحلالا، فلا بأس أنْ يتزوجها الأول) المحلى للإمام ابن حزم رحمه المنعم جلّ شأنه.

ونسب هذا القول أيضا إلى سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه وعنكم.

قال ابن المنذر رحمه الله عزّ وجلّ:-

(لا نعلم أحدا من  أهل العلم قال بقول سعيد بن المسيب هذا إلا الخوارج أخذوا بظاهر قوله تعالى: {حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230]).

وقال صاحب المغني رحمه الله تعالى:-

(ولعلّه لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن).

قال الإمام ابن حجر رحمه الله سبحانه في فتح الباري:-

(سياق كلامه يشعر بذلك، وفيه دلالة على ضعف الخبر الوارد في ذلك).

وعليه فلا يكفي مجرد عقدها على رجل توفي عنها قبل وطئها أنْ تعود إلى زوجها الأوّل.

واشترط الإمام ابن حزم رحمه الله جلّ وعلا وهو قول للسادة المالكية رضي الله تعالى عنهم وعنكم، شرط وجدان اللذة، يقول:-

(من طلق امرأته ثلاثا لم يحل له زواجها إلا بعد زوج يطؤها في فرجها بنكاح صحيح في حال عقله وعقلها ولا بدّ – ولا يحلها له وطء في نكاح فاسد، ولا وطء في دبر، ولا وطؤها في نكاح صحيح، وهي في غير عقلها بإغماء أو بسكر أو بجنون، ولا هو كذلك، فإن بقي من حسه أو من حسها في هذه الأحوال، أو في النوم ما تدرك به اللذة أحلها ذلك إذا مات ذلك الزوج أو طلقها) المحلى:9/414.

وذهب الجمهور رضي الله تعالى عنهم وعنكم إلى عدم اشتراط الإنزال، وخالف في ذلك الحسن البصري رحمه الله سبحانه فقال:-

(لا تحل إلا بوطء وإنزال).

وهذا الشرط انفرد به عن الجمهور، قال ابن بطال رحمه الله تعالى:-

(شذ الحسن في هذا، وخالفه سائر الفقهاء، وقالوا يكفي من ذلك ما يوجب الحد ويحصن الشخص ويوجب كمال الصداق ويفسد الحج والصوم) فتح الباري 9/466.

والجمهور رضي الله تعالى عنهم وعنكم اكتفوا بمجرد الجماع، بناء على تفسير النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام العسيلة بالجماع ولو لم ينزل.

ولم يخالف في شرط الدخول بالزوجة إلا سعيد بن المسيب من كبار التابعين وسعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهما وبعض الخوارج.

والدخول الصحيح، أمر متفق عليه بين الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ولا يكتفى فيه بمجرد الخلوة حتى لو كانت صحيحة، بل لابدّ فيه من اللقاء الجنسي، والدليل على ذلك ما رواه الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا وغيره عن السيّدة عائشة رضى اللّه تعالى عنها وعن أبيها لمّا طلّق رفاعة القرظي امرأته فبتَّ طلاقها تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير رضي الله عزّ وجلّ عنهم، فجاءت إلى النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم تشكو إليه أنّ عبد الرحمن ضعيف في الناحية الجنسية، فتبسّم النبيّ صلى الله تعالى وسلم على ذاته وصفاته وآله وصحابته وقال (لَعَلّكِ تُرِيدِينَ أنْ تَرْجعِي إلى رفَاعَة؟ لَا، حَتّى تَذُوقِي عَسِيلَتَهُ وَيَذُوقَ عَسِيلَتَكِ).

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى نكاح التحليل، فللعلماء رحمهم الله جلّ وعلا فيه قولان:-

1- حرام باطل في قول عامة أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

2- جائز وهو مذهب الإمام أبي حنيفة وزفر – رضي الله سبحانه عنهما – إلى أنّ نكاح المُحلِّل صحيح مطلقا، إلا أنّه يكره إنْ شرط التحليل، ويكون هذا الشرط فاسدا، ونقل عنه قول بصحته حتى ولو امتنع المُحلِّل من الطلاق أجبر عليه.

وذهب الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى إلى أنّه يصحّ مطلقا إلا أنّه لا يحلّها للأوّل إذا شرط التحليل.

وذهب الإمام أبو يوسف رحمه الله جلّ جلاله إلى أنّه إنْ شرط التحليل بطل العقد، وإنْ نواه صحّ، وهذا موافق للمعتمد في مذهب السادة الشافعية رحمهم ربّ البرية إلا أنّه لا يقول بالكراهة مثلهم.

قال الإمام سليمان بن خلف الباجي رحمه الله تعالى في المنتقى شرح الموطأ:-

(وقول أبو القاسم في التي توفي عنها زوجها قبل أن يمسها لا تحل بذلك لمن طلقها قبله ثلاثاً، لأنه نكاح ليس فيه مسيس فلم يتعلق بذلك حكم الإحلال، لأن الإحلال لا يكون بالعقد، وإنما يكون بالوطء لكن يعتبر فيه صحة العقد، وإن كانت وفاة الزوج يقع بها كمال المهر، فإنه لا يقع به الإحلال ولا الإحصان، والفرق بينهما أن المهر إنما يكون في مقابلة استباحة العضو والمواصلة مدة العمر، فإذا وجد موت أحدهما فقد انقضت مدة المواصلة فوجب جميع المهر كما يجب الوطء ، وأما إحلال الزوجة للمطلق ثلاثاً، فإنه يحصل بالوطء وليس في موت الزوج الثاني معنى من معاني الوطء فتحصل به الإباحة ولا خلاف في ذلك).

والراجح من أقوال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم: أنّ المطلقة ثلاثاً لا تحلّ لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره، ويدخل بها أي يجامعها ثمّ إذا فارقها بطلاق أو موت وانقضت العدة حلّت للأول.

فهذا الحكم ممّا تفترق به المطلقة غير المدخول بها عن المتوفى زوجها قبل الدخول، فالتي توفي عنها زوجها قبل الدخول عليها العدّة ولها والميراث بخلاف المطلقة فليس لها ذلك.

وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، قال الحق جلّت عظمته:-

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة : 234].

وصلّى الله تعالى وسلّم على مَنْ نزل عليه القرآن في شهر رمضان وجعله كفّارة للذنوب والآثام سيّدنا محمد النبيّ المصطفى العدنان وعلى آله وصحبه أهل الفضل والعرفان.

والله تبارك اسمه أعلم.