2015/07/04

السؤال:

سؤالي.. ما معنى الهداية …وإذا كان الشخص معتقدا بعدم بوجود خالق فإنّ محاسبته تعتبر غير عادلة كونه لم يتجه لهذا الاعتقاد إلا نتيجة عقله القاصر عن فهم وإدراك الحقيقة.. وإنّ الله تعالى هو مَنْ يوهب العقل للإنسان ولا دخل للإنسان في وجوده فكيف يتم محاسبة الشخص على كفره بالله وهذا الكفر لم يأتِ إلا نتيجة اعتقاد تمّ بناؤه على أساس عقله الذي وهبه الله.. ولم يقتنع بما طرح عليه من أدلة تدلّ على وجود خالق أو وحدانية الخالق؟

 

الاسم: نهاد

 

الرد:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

قال ربُّنا عزّ شأنه:-

{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [سورة الشورى: 51 – 53].

وقال جلّتْ قدرتُهُ في آيةٍ أخرى:-

{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة القصص: 56].

الآية الأولى تثبت لسيّدنا النَّبيِّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم الهداية فتقول:-

{— وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة الشورى: 52].

بينما الثانية، تنفي قدرة هداية النَّاسِ عن سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، وتثبت ذلكَ للهِ تعالى وحدهُ، قال سبحانه:-

{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة القصص: 56].

وحتى لا نخطئ الفهم، أحبُّ أنْ أبيّن بأنّ للهداية معانٍ في القرآن الكريم، أذكر منها معنيينِ:-

الأول: هداية بمعنى الإرشادِ إلى الخيرِ: وهذا، ما أثبتهُ القرآن العظيم لحضرة النَّبيِّ الكريم عليهِ الصلاة والتسليم وآلهِ وصحبهِ المكرمين ولإخوانهِ منْ الأنبياءِ والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، والصَّالحين رضي اللهُ تعالى عنهم وعنكم أجمعين.

والثاني: هداية بمعنى التوفيقِ، وانشراحِ الصَّدرِ للخيرِ، وهذه لا يقدر عليها إلّا الله المنعم الكريم.

قال سبْحانهُ:-

{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [سورة الأنعام : 125].

ومعلوم، أنَّ دورَ الهدايةِ الثانيةِ، وهي التوفيق، منْ اللهِ تعالى، يأتي بعدَ قبولِ، الهدايةِ الأولى، وتسليم الوجهِ للهِ جلّ في علاه، فهو القائل:-

{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة التغابن: 11].

وقال جلّ وعلا:-

{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا} [سورة السيدة مريم عليها السلام: 76].

وقال عزّ شأنه:-

{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [سورة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام: 17].

فإذا رفضَ النَّاسُ قبول هداية الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلام، حَرمُوا أنفسهم مِنْ هدايةِ اللهِ تعالى وتوفيقهِ، قال سبحانه:-

{إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النحل: 104].

وقدْ قدمَ القرآن الكريم نموذجاً لهذا النوعِ مِنَ النَّاسِ، وبيَّنَ مصيرهمْ، فقال عزّ وجلّ:-

{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سورة فصلت: 17].

ومَثلُ ذلكَ: كسائق سيّارةٍ سألكَ عنْ الطريقِ فأرشدتهُ فشكرَ لكَ وأرادَ أنْ يسيرَ فقلتَ لهُ: إنَّ الطريق أمامكَ وعِرٌ، فركبتَ معهُ حتى أوصلتهُ، أترى هذا السَّائقِ لو رفضَ نُصحكَ واتهمكَ بالجهلِ أيستحق مُساعدتكَ؟

هذا وللهِ تعالى المَثل الأعلى، إنَّ قبولَ النَّاسِ لهدايةِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والتسليم معناهُ صفاء فطرتهم، وخضوعهمْ للخيرِ، فَمِثلهمْ جديرٌ، أنْ يُوفقوا إلى الخيرِ، وأنْ ينشرح صدرهُم لهُ.

إذًا ـ الهداية الأولى ـ تُوصل ـ للهداية الثانية ـ فلماذا علقَّ القرآن الكريمِ الهدايةِ والإضلالِ على مشيئةِ اللهِ تقَدَّسَ في علاه؟ فقال تعالى:-

{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [سورة فاطر: 8].

وأقول ومِنَ اللهِ جلّ وعلا التوفيق:-

إنَّ الأمرَ سهلٌ لأنَّ هناكَ آيات وضحتْ الذينَ شاءَ اللهُ تعالى أنْ يُضَّلهمْ، كما إنَّ هناكَ آيات وضحتْ الذينَ شاءَ اللهُ جلّ جلاله أنْ يهديهمْ.

إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ، فمَنْ هُمْ يا ربِّ؟ همُ الذين يريدونَ الضلال، قال تعالى:-

{— وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [سورة البقرة: 26 – 27].

{— وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة البقرة: 258].

{— وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [سورة التوبة: 24].

{— وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [سورة التوبة: 37].

{— إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [سورة غافر: 28].

{— إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [سورة الزمر: 3].

{إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النحل: 104].

الإنْسانُ يملك حرِّية الاختيار وإلا لَمَا حُوسب، أفلا ترى أنَّهُ مُحاسبٌ في أعمالِهِ الاختيارية كالإيمان والكفر والمعاصي والعبادات وليس مُحاسبا في ما لا يملك كالحبِّ والفقر والموت؟

ألا نرى بأنَّهُ يسقط عنْهُ التكليف إنْ أُجبر على فعلِ شيءٍ ما، أو ذهبَتْ قدرته على التمييز بأنْ جُنَّ أو فَقَدَ الوعي؟

ولكنَّ إرادتَهُ لا تستطيع تحدِّي قدرةَ الخالقِ، فهي بالتالي مِنْ ضِمْنها، ولأجل أنْ أقرِّبَ الصورة إلى الذهنِ أسوق هذا المثال:

أعطى أبٌ وكالة لابْنهِ بالتصرفِ في بعضِ الأمور، فهل يكون ما يقوم به الولدُ ضدَّ مشيئة أبيهِ؟ بالطبع لا فالأبُ قادرٌ في أي لحظةٍ على أنْ يسلبَهُ الوكالة أو يُلغي أي عملٍ قامَ بهِ بموجبها.

ومِنْ أبلغ الأقوال التي قيلَتْ في هذا الموضوع قَوْلُ سيِّدنا عُمَر بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي اللهُ تعالى عنْهُ:-

(لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لا يُعْصَى مَا خَلَقَ إِبْلِيسَ) القدر للفريابي رحمه الله تعالى.

فالشرُّ ليس ضدَّ إرادة اللهِ جلّت قدرته كما يظنُّ بعضُ النَّاسِ بل شاءَ اللهُ سبْحانَهُ أنْ يُحدثَ هذا الصراع بينَ الخيرِّ والشرِّ، ليُميزَ النَّاس ويُدخلَ العصاة إلى النَّارِ والطائعينَ إلى الجنَّةِ.

فالكافرُ كافرٌ بمشيئةِ اللهِ تعالى:-

{— فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [سورة الأنعام: 149].

ولكنْ هلْ هذا يُعطي العذرَ لهُ؟

إنْ قالَ لكَ الكافرُ (أنا على هذا الدين لأنَّ الله تعالى أراد لي كذلك) فقلْ لهُ: أخطأتَ، أنْتَ لا تعرفُ ماذا شاءَ ربُّنا لكَ؟ اللهُ عزّ وجلّ أمرك أنْ تتبع أوامره لا أنْ تُعلِّقَ الأمور على مشيئتهِ لأنَّك لا تعْرِفُها.

بمعنى آخر: لماذا نشغل بالنا بالمشيئةِ وهي مِنْ صفاتِ اللهِ تعالى التي لا نستطيع أنْ نعقلها؟

هل مِنَ الممكن أنْ تعقل ذات اللهِ أو صفاتِهِ جلَّ جلالَهُ؟

كلها أمورٌ لا يستطيع عقلنا أنْ يحيط بها لأنَّهُ محدودٌ، ولكنْ ما نعرِفَهُ أنَّنا نختار أفعالنا ونحنُ محاسبُون عليها، فعلينا إنْ أيقنا أنّ الإسلام حقٌ أنْ نتبعَهُ ولا نتعلل بأنَّنا كفرنا به لأنَّ الله جلّ وعلا لم يشأ لنا ذلك، فهذا كذبٌ لأنَّنا لا نعرفُ ماذا كتبَ اللهُ جلتْ أسماؤُهُ لنا.

وطريق السلامة أنْ تحرص على الخير وتسعى فيه كما أُمِرْتَ؛ لأنَّ اللهَ سبْحانَهُ أعطاك عقلاً وفهماً وأرسل إليك الرسل عليهم السلام وأنزل معهم الكتب:-

{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [سورة النساء: 165].

عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُم قَالَ:-

(كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فِي جَنَازَةٍ ، فَقَالَ (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، ثُمَّ قَرَأَ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى إِلَى قَوْلِهِ لِلْعُسْرَى}) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

وتمام الآيات قوله جلّ ذكره:-

{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى} [سورة الليل: 5 – 13].

فأمرَهُمُ حضرة النبيّ صلّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلّم بالعملِ ولم يُجوّزْ لهم الاتكال على المكتوبِ؛ لأنَّ المكتوبَ مِنْ أهل الجنَّةِ لا يكون منْهم إلا إذا عَمِلَ بعملِهِم. والعملُ باستطاعةِ المرءِ، لأنَّهُ يعرفُ مِنْ نفسه أنَّ اللهَ سبحانه أعطاهُ اختياراً للعمل وقدرةً عليهِ، بهما يفعلُ إنْ شاءَ أو يترك.

فها هو الإنْسانُ يهِمُّ بالسفر مثلاً فيسافر، ويهِمُّ بالإقامة فيُقيم، وها هو يرى الحريقَ فيفِرُّ منْهُ، ويرى الشيءَ المحبوب إليه فيتقدمُ نحوه. فالطاعات والمعاصي كذلك يفعلُها المرءُ باختياره ويدعها باختياره.

وأمّا ما أوردته أخي الحبيب من شبهات تظنها حججا وبراهين، فالحق في كشفها ما يلي:-

أولا: إنَّ الله جلّ جلاله أبطلها في القرآن الكريم وجعلها مِنْ القول بلا علم فقال:-

{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [سورة الأنعام: 148].

فبيَّنَ اللهُ جلّ وعلا أنَّ هؤلاء المحتجِّينَ بالمشيئة على شركِهِم كانَ لهم سلفٌ كذَّبُوا كتكذيبهم واستمرُّوا عليه حتى ذاقوا بأسَ اللهِ العزيز الحكيم، ولو كانَتْ حجتهم صحيحة ما أذاقهم اللهُ تعالى بأسه، ثمَّ أمرَ اللهُ جلّ في علاه نبيَّهُ صلّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلّم أنْ يتحداهم بإقامة البرهان على صحة حجتهم، وبيَّنَ أنَّهُ لا حجة لهم في ذلك، فمشيئة الله تعالى سرٌّ مكتومٌ لا يعلمها إلا اللهُ العليمُ الخبير حتى تقع.

فمِنْ أين للعاصي العلم بأنَّ اللهَ عزّ وجلّ كتب عليه المعصية حتى يُقدم عليها؟

أفليس مِنَ الممكنِ أنْ يكونَ قدْ كُتبَتْ لهُ الطاعة؟

فلماذا لا يجعل بدل إقدامه على المعصية القدوم على الطاعة ويقولُ: إنَّ اللهَ المُنعمُ المنان قد كتب لي أنْ أُطيع؟

 

ثانياً: إنَّ الله قد فضَّلَ الإنسان بما أعطاه مِنْ عقلٍ وفهمٍ وأنزل عليه الكتب وأرسلَ إليه الرُّسل وبيَّنَ لهُ النافع مِنَ الضَّار وأعطاه إرادة وقدرة يستطيع بهما أنْ يسلكَ إحدى الطريقين، فلماذا يختار هذا العاصي الطريق الضَّار على الطريق النافع؟

أليس هذا العاصي لو أرادَ سفراً إلى بلدٍ وكان له طريقان أحدهما سهلٌ وآمنٌ، والآخر صعبٌ ومُخوِّفٌ، فإنَّهُ بالتأكيد سوف يسلك الطريق السهل الآمِن، ولن يسلك الصعب المُخوِّف بحجَّة أنَّ اللهَ جلّ جلاله كتب عليه ذلك؟

بل لو سلكَهُ واحتجَّ بأنَّ اللهَ تعالى كتب عليه هذا لعدَّ النَّاسُ ذلكَ سفهاً وجنوناً، فهكذا أيضاً طريق الخير وطريق الشرِّ سواءٌ بسواءٍ، فليسلك الإنْسان طريق الخير ولا يخدعَنَّ نفسهُ بسلوكِ طريقِ الشرِّ بحجَّة أنَّ اللهَ سبحانه كتبه عليه، ونحنُ نرى كلَّ إنْسانٍ قادر على كسبِ المعيشةِ يضْرِبُ كلَّ طريقٍ لتحصيلِها، ولا يجلس في بيتهِ ويدع الكسبَّ احتجاجاً بما كتبه الله عزّ وجلّ له.

إذن فما الفرقُ بينَ السعيِّ للدنْيا والسعيِّ في طاعةِ اللهِ الهادي إلى سبيل الرشاد؟

لماذا تجعل مشيئة الله سبحانه حجَّةٌ لك على تركِ الطاعة؛ ولا تجعلُها حجَّةٌ لك على تركِ العمل للدنْيا؟

إنَّ الأمرَ مِنَ الوضوحِ بمكانٍ ولكنَّ الهوى يُعْمِي ويَصُمُّ.

ويمكن أنْ ألخّص ما تقدّم بما يلي:-

1- أنّ الإنسان له الحرية والإرادة في الاختيار، قال الحقّ تنزّهت ذاته:-

{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ —} [سورة الكهف: 29].

وقال:-

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [سورة الشورى: 20].

 

2- لو كان الإنسان مكتوبا عليه أنّه لا يهتدي فلماذا أرسل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إليه؟

وإذا كان العقل لا قدرة له في الوصول إلى الله جلّ في علاه فلماذا قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود.

 

3- إنّ الله عزّ وجلّ نفى الظلم عن نفسه فقال:-

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [سورة يونس عليه السلام: 44].

وقال:-

{مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [سورة ق: 29].

ولا شكّ أنّه سبحانه إذا أجبر أحدا من خلقه على الكفر ثمّ يعذبه عليه فهذا ظلمٌ بيّن، والله عزّ شأنه منزّه عن ذلك.

4- إنّ الله جلّ جلاله ما كلّف عقولنا أن تحيط به علما سبحانه، وإنما أراد منها أنْ تؤمن بوجوده، ومخّ الإنسان فيه دائرتان إنْ صحّ التعبير:-

دائرة تعقّل: وهي قادرة على استيعاب أنّ لهذا الكون ذا قدرة صنعته وخلقته، فمحال أنْ يُوجَد شيء بغير موجِد، فهذه قضية عقلية لا يختلف على صحتها اثنان عاقلان.

وصاحب هذه القدرة عند المسلمين هي الله جلّ ذكره، وعند غيرهم يسمونها الطبيعة، المصادفة، وصدق الله تعالى إذ يقول:-

{— انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [سورة المائدة: 75].

دائرة تصوّر: وهي التي تعنى بالإحاطة التامّة بالمؤثِّر، وهذه لا تكون إلا بالخبر الصادق الذي أخبر عن صفات صاحب القدرة سبحانه ككونه خبيرا وسميعا وبصيرا وغيرها من الأسماء والصفات.

وحتى يفهم هذا المقال أضرب لجنابك هذا المثال:-

لو سمعتَ جرس الباب رنّ، ماذا يحصل عندك؟

سرعان ما تقول في ذهنك: هناك قوّة أثّرت على الجرس فأحدثت هذا الصوت وهو الرنين إذ لا يمكن للجرس أنْ يرنّ من تلقاء نفسه، كلّ هذا يحصل في دائرة التعقّل.

لكن إذا قلت: مَن الذي دقّ الجرس؟

ستجد عقلك يذهب إلى احتمالات كثيرة منها:-

قد يكون فلان أو فلانة، ولا تستطيع أنْ تحصر هذه الاحتمالات إلا بعد أنْ تقوم بفتح الباب بنفسك أو يأتيك مَن تثق به فيخبرك.

وعليه فإنّ الله جلّ في علاه ما كلّف العقل أنْ يحيط به علما بل رضي منه أنْ يؤمن به وجودا لأنّ الإحاطة كما علمتَ خارجة عن قدرة العقل.

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا —} [سورة البقرة: 286].

وأوكل سبحانه علم أسمائه وصفاته إلى أنبيائه عليهم الصلاة والتسليم يبيّنوها بالخبر الصادق (الوحي).

وختاما أنصحك وأمثالك وفقكم الله جلّ وعلا لمراضيه أنْ تذهبوا إلى العلماء الربانيين رضي الله تعالى عنهم وعنكم إذ لا تغني المراسلة في هذه المسائل عن المشافهة.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على هادي الأمم الذي أوتي جوامع الكلم سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ذوي الفضل والكرم.