2015/07/13

السؤال:

السلام عليكم حضرة سيّدنا الشيخ سعد الله عارف البرزنجي بارك الله تعالى فيكم وحفظكم ما تعريف العبادة والشرك عند السلف الصالح فكثيرا نسمع أنّ الحلف بغير الله شرك والاستغاثة بالقبور شرك والحكم بغير ما أنزل الله كفر وهل الشرك أقسام منه مخرج من الملة وغير مخرج لتساهل الناس بإطلاق هذه الألفاظ وينسبوها للسلف الصالح رضي الله عنكم وعنهم وعنا أجمعين وبارك فيكم.

الاسم: سعد

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته, وأسال الله تعالى أنْ يعُمَّ الجميع بواسع مغفرته وعظيم بركته.

قال الفرد الصمد تعالت ذاته:-

{إنَّ الله لا يغفر أنْ يشرك به ويغفر ما دون ذلك لِمَنْ يشاء ومَنْ يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} [النساء/48].

عن سيّدنا أَبي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رضي الله تعالت صفاته عنه أنّه خطب الناس فقال:-

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَزْنٍ وَقَيْسُ بْنُ المُضَارِبِ فَقَالَا وَاللَّهِ لَتَخْرُجَنَّ مِمَّا قُلْتَ أَوْ لَنَأْتِيَنَّ عُمَرَ مَأْذُونٌ لَنَا أَوْ غَيْرُ مَأْذُونٍ قَالَ بَلْ أَخْرُجُ مِمَّا قُلْتُ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُولُوااللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد.

1- العبادة اسم جامع لكلّ ما يحبه الله تعالى ويرضاه مِنَ الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبر الوالدين والدعاء والذكر والقراءة وحبّ الله جلّ وعلا ورسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام وخشية الله عزّ وجلّ والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضى بقضائه والتوكّل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وغيرها.

2- الشرك بالله تبارك اسمه قسمان:

الأول: شرك أكبر وهو أنْ يصرف لغير اللهِ تقدَّس اسمه ما هو محض حق لله تعالى شأنه مِنْ ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهذا مخرج مِنَ الإسلام، فيُحكم على فاعله بالخروج مِن َالملة والارتداد عنه فيكون كافراً مرتدا والعياذ بالله سبحانه.

والشرك فاحذره فشرك ظاهـر *** وهو اتخـاذ النـد للـرحـمـن

يدعـوه أو يـرجـوه ثـمّ يخــافـه *** ذا القسم ليس بقابل الغفران

الثاني: شرك أصغر وهناك مَنْ يسمّيه الخفي وهناك مَنْ عرفه بالرياء استدلالا بالأحاديث الواردة في ذلك وهناك مَنْ حدّده بيسير الرياء، وأكثر الأقوال الواردة في تعريفه أنَّه يتعلق بالقلب، ويكون بالشرك في النيّات والمقاصد وهو غير مخرج مِنَ الملة، بل قد يقع مِنَ المسلم ويبقى على إسلامه، غير أنَّ فاعله على خطر عظيم، لأنَّ الشرك الأصغر كبيرة مِنَ كبائر الذنوب، ومِنْ أمثلته الرياء، وهو أنْ يقصد العبد بعبادته عَرَضَ الدنيا، مِنْ تحصيل جاه أو نيل منزلة، قال سبحانه:-

{فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف /110].

روى الإمام أحمد رحمه الربُّ الصمد تقدَّس اسمه أنَّ حضرة الرسول صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم قال:-

(إنَّ أخوفُ ما أخافُ عليكم الشركَ الأصغرَ، قالوا: وما الشركُ الأصغرُ؟ يا رسول الله، قال: الرياء، يقول الله عزَّ وجلَّ لهم يومَ القيامةِ: إذا جُزِيَ الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كُنتم تُراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء).

3- وضع العلماء رضي الله عزَّ كماله عنهم وعنكم ضوابط وقواعد يتميّز بها الشرك الأكبر عن الأصغر عند وروده في النصوص الشرعية فمِنْ هذه الضوابط ما يلي:

أ- أنْ ينص حضرة النبيّ الأكرم صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم صراحة على أنَّ هذا الفعل مِنَ الشرك الأصغر كما في حديث الرياء أعلاه.

ب- أنْ يرد لفظ الشرك في نصوص الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة منكَّراً ـ أي غير مقترن بالألف واللام ـ فهذا في الغالب يقصد به الشرك الأصغر وله أمثلة كثيرة كقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(إنَّ الرقى والتمائم والتِّوَلَة شِرْكٌ) الإمام أبو داود رحمه ربُّنا المعبود تنزّه اسمه.

فالمقصود بالشرك هنا الأصغر دون الأكبر.

والتمائم شيء يعُلَّق على الأولاد كالخرز ونحوه يزعمون أنَّ ذلك يحفظه مِنَ العين.

والتولة شيء يصنعونه يزعمون أنَّه يُحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.

ج- أنْ يفهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعنكم مِنَ النصوص الشرعية أنَّ المراد بالشرك في هذا الموضع هو الأصغر دون الأكبر، وفهمهم مقدَّم على فهم غيرهم، لأنَّهم أعلم الناس بدين الله عزَّ وجلَّ، وأدراهم بمقصود الشارع الحكيم، ومثال ذلك ما روي عن سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله سبحانه عنه أنّ نبيّنا المعظَّم صلَّى الله جلَّ اسمه عليه وآله ومَنْ والاه وسلَّم قال:-

(الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، ثَلاثًا، وَمَا مِنَّا إِلا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّل) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه.

فجملة (وما منَّا إلا…) هذه مِنْ كلام سيّدنا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كما بيّن ذلك جهابذة المحدثين، فهذا يدلّ على أنَّ سيّدنا ابن مسعود رضي الله سبحانه عنه فهم أنَّ هذا مِنَ الشرك الأصغر، لأنَّه لا يمكن أنْ يقصد – وما منَّا إلا – ويقع في الشرك الأكبر، كما أنَّ الشرك الأكبر لا يذهبه الله سبحانه بالتوكل بل لابد مِنَ التوبة.

د- أنْ يفسّر النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين لفظ الشرك أو الكفر بما يدلّ على أنَّ المقصود به الأصغر وليس الأكبر فقد روي عنْ سيّدنا زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قَالَ:-

(صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ).

فالكفر هنا جاء تفسيره في الرواية الأخرى عن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قَالَ:-

(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ يَقُولُونَ الْكَوَاكِبُ وَبِالْكَوَاكِبِ).

فبيّن هنا أنَّ مَنْ نسب إنزال المطر إلى الكواكب باعتبارها سبباً لنزوله ـ والواقع أنَّ الله جلّ جلاله لم يجعلها سبباً لذلك ـ فكفره كفرٌ بنعمة الله تعالى عليه، ومعلوم أنَّ كفر النعمة كفر أصغر, أمَّا مَن اعتقد أنَّ الكواكب هي التي تتصرف في الكون وأنهَّا هي التي تنزل المطر فهذا شرك أكبر.

4- قضية التكفير مِنْ أخطر قضايا الشرع الحنيف هابها فطاحل العلماء رضي الله جلَّ ثناؤه عنهم وعنكم ولا دخل لعوام الناس بهذا المنزلق الخطير, ولا يجوز تنظير ظواهر النصوص على كلّ مسألة فلكلّ مسألة حكمها، والأولى الانشغال بما ينفع المرء في دينه ودنياه وترك المسألة لأهل الاختصاص, وللفائدة يُرجى مراجعة جواب السؤالين المرقمين (686، 693).

5- ما يقوم بالقلب مِنْ معتقد له أثر في الحكم على المسلم فمَنْ حلف بغير الله جلَّ وعلا لا يحكم عليه بالشرك الأكبر إلا إذا كان يعظم المحلوف به كما يُعظِّم الله عزَّ وجلَّ, أمَّا إذا كان القلب خاليا مِنْ هذا المعتقد فيبقى هنا ترك ذلك الفعل مِنْ باب التحريم أو الكراهة بحسب كلّ عمل أو قول كما في حديث الكوكب في الفقرة السابقة.

ولزيادة الفائدة يُرجى مراجعة جواب السؤالين المرقمين (682، 1680)

وصلَّى الله تعالى علَّام الغيوب على مَنْ اقتلَع به آفة الشرك مِنْ خبايا القلوب سيّدنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم ما توالت أنوار الهداية على النفوس بشروق وغروب.

والله تبارك الواحد الأحد أعلم.