2015/07/29

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيّدي حضرة الشيخ حفظك الله جلّ جلاله وأيدك وأعزك وأمد لنا عمرك وبارك فيه وفقنا باتباع منهجكم المبارك ونرجو دعاءك سيدي لنا وللعراق ولأمة الإسلام

سيدي أصاب احد أقربائي مرض عجز الكليتين شفاه الله جلّ وعلا وجميع مرضى أمة الإسلام فقررت زوجته أنْ تتبرع له وبعد إجراء الفحوصات وتتطابق نتائج الفحوصات بالإيجاب والقبول وبعد تحديد موعد العملية تراجعت بحجة أنها خائفة وأنها سوف تكون عاجزة عن خدمة أولادها وبيتها بعد التبرع وبدأ أكثر الناس بلومها ووصفها بعدم وفاءها لزوجها.

سيّدي سؤالي هل يجوز التبرّع بالأعضاء للمرضى لغرض إنقاذ حياتهم؟ وإذا لم يتبرع أحد أقرباء المقربين لذلك الشخص المريض وفقد المريض حياته هل هؤلاء آثمون؟

وصلى الله تعالى وسلم على سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله الطيبين وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمته وبركاته.

الاسم: موفق سعد الله يوسف

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الصادقة، وإنّ خادمكم ليدعو ربه تبارك في علاه دوما أنْ يُفرّج عن بلدنا وسائر بلاد المسلمين، وينشر في ربوعها الإيمان والأمان والرخاء، ويمُنّ على جميع المرضى بالعافية والسلامة، إنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه، وبعد:-

التبرّع بالأعضاء على نحو عام يحتاج إلى تفصيل، فإذا كان العضو ممّا تتوقف حياة المتبرع عليه، فلا يجوز التبرع به، لأنّ التبرّع به في معنى الانتحار، وإلقاء النفس في التهلكة، وهو أمر محرم شرعاً؛ قال الله تبارك في علاه:-

{— وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [سورة النساء/ من الآية 29].

ومثل ذلك ما إذا كان نقل العضو يسبب فقدان وظيفة جسمية فاعلة، أو يؤدي إلى تعطيلٍ عن واجب، مثل التبرع باليدين أو الرجلين، مما يسبب للإنسان العجز عن كسب عيشه، والقيام بواجباته، أو كان التبرع بالعضو يضر بصاحبه بإحداث تشويه في خلقه، أو بحرمانه مِنْ عضوه لإزالة ضرر مثله في  إنسانٍ آخر، كالتبرع باليد أو قرنية العين مِنْ حيٍّ سليم لآخر يفقدهما، وذلك لعدم توفر حالة الاضطرار في المتبرع إليه، فكم مِنْ شخص على وجه الأرض بدون يد أو رجل، وكم منْ أعمى يعيش حياته على نحو مُقنع بل ربما طيب، ومِنَ القواعد الفقهية التي وضعها الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم قاعدة: أن الضرر لا يزال بمثله، فلا يجوز مثلا رفع ضرر العمى عن شخص مقابل أن يُصاب شخص مُبصر بالعمى بدلا عنه.

أمّا العضو الذي لا يكون في نقله ضرر على صاحبه المنقول منه، وتحققت المصلحة والنفع فيه للمنقول إليه، واضطراره له، على وفق ما يُوصي به الأطباء الثقات فلا حرج بإذن الله جلّ جلاله وعمّ نواله في ذلك، بل هو مِنْ باب تفريج الكُرب، والإحسان، والتعاون على الخير والبر، قال الله عزّ وجلّ:-

 {— وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى —} [سورة المائدة/من الآية5].

 وقال الرحمة المُهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-

(— وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ —) الإمام مسلم رحمه الله تعالى المنعم.

وكما أنّه يجوز للمكلف عدم قبول التبرّع، فإنّه لا ينبغي أنْ يُفرض التبرع على أحد مِنَ الناس مهما كانت صلته بالمريض، خصوصا إذا كان مترددا أو خائفا فهذا ينعكس سلبا على وضعه الصحي، كما ينبغي أنْ يفهم الناس أنّ هذا الأمر ليس بالهين على المرء، وعليه فلا ينبغي لهم أنْ يلوموا الزوجة لعدم تبرعها، وأنْ يُراعوا حالها النفسي، خصوصا أنّ أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم لم يُوجبوا التبرع بالأعضاء أو قبوله، وأجمعوا على أنْ يكون إعطاء العضو طوعاً مِنَ المتبرع دون إكراه.

وعليه إذا لم يتبرع أحد مِنْ أقرباء المريض فمات الأخير فلا أثم عليهم، ولكن ينبغي لهم أنْ يبذلوا وسعهم في انقاذ حياته، ومِنْ ذلك السعي جاهدين ليجدوا مَنْ يتبرع له مِنْ أهله أو مِنْ غير أهله، فإن لم يجدوا كان لهم مضطرين أنْ يشتروا كلية مِنْ باذل لها بشرط دفع المال لأن في ذلك إنقاذ نفسه، وحفظ النفس مِنَ الضرورات، ومَنْ باع كليته يتحمل تبعة تصرفه شرعا، إذْ أن بيع الأعضاء محرمٌ شرعا، وقد تمّ بيان ذلك في جواب السؤال المرقم (745) في هذا الموقع المبارك، وصلى الله تعالى على كامل النور والصفات، سيّدنا محمد وآله وصحبه أولي الفضل والمكرمات، وسلّم تسليما كثيرا ما دامت الأرض والسموات.

والله تعالى أحكم وأعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم علّى سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين.