2015/08/04

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله والصلاة على رسوله ومن والاه:

بداية أسأل الله العظيم الذي تجلى في علاه، وبرسوله محمد الذي اختاره واصطفاه، أنْ يحفظكم من شرّ إنسه وجنّه وبلاه، وأن يرزقكم الصحة والعافية وتقواه.

سيّدي:

هناك أحاديث كثيرة وردت في أخبار علامات الساعة وانتشرت على شكل فديوات على الوتس أب واليوتيوب، سؤالي: ما مدى صحة هذه الأحاديث؟ وما المطلوب منّا نعمله في هذا الزمان الذي حير الإنسان؟.

جزاكم الله العزيز المنان بفضله وكرمه وزادكم إحسانا فوق إحسان.

والسلام.

الاسم: suma

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل المولى تقدَّست ذاته العلية أنْ يحفظكم ويحفظ الأمة مِنْ كيد الكائدين وبطش المجرمين، وأنْ يلهمنا الصواب فيما يجري مِنْ هرج ومرج.

عن سيّدنا أَنَسٍ رَضِيَ اللَّه سبحانه عَنْهُ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لاَ شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ) الإمام البخاري رحمه ربُّنا الباري تعالى شأنه.

1- علم علامات الساعة علم عظيم, وهو منارات وضعها سيّدنا رسول الله صلَّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه, للأمّة على طول تاريخها لتكون زادا للمؤمن وتذكرة للغافل وتعليما للجاهل ودليلا للحيران, وهو مِنَ الأهمية بمكان ولولا أهميته لم ترِدِ النصوص بتفصيل أحواله, لكِنْ على المسلمين أنْ يحسنوا فهمه والتعامل معه بل والاستفادة منه فيما يتجدد مِنْ حوادث ووقائع.

2- لقد كثر الكلام عن الساعة، بل حدد بعض الناس مدّة لها, وهذا مِنَ اللغط الذي لا ينبغي الخوض فيه، والنصوص الشرعية ذكرت علامات الساعة لتكون دافعا للعمل الصالح, والسعيد مَنْ دار مع ألفاظ سيّدنا رسول الله صلَّى الله جلَّ وعلا عليه وآله وصحبه وسلَّم، ولم يتعجل، ولم يسقط الأحاديث على الأحداث قبل وقوعها، فإنَّه تنبؤ واعتداء على الغيب، وهذا يخالف هدي السلف رضي الله عزَّ وجلَّ عنهم  في التعامل مع هذه الأحاديث.

فمثلا: كان هديهم في التعامل مع الفتن وهي سمة بارزة مِنْ علامات الساعة أنَّهم كانوا يَردُّونها ويدرؤونها عن أنفسهم وعمّن يلوذ بهم، وعن مجتمعاتهم، فلا يستسلمون لها، وكانوا يعتقدون أنَّ إخبار النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام بها مِنْ باب الرأفة والرحمة بأمّته، وليس مِنْ باب أنْ ينتظروها ويقولوا: لا بدّ أنْ يقع ما أخبر به النبيّ المختار صلَّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه الأبرار.

فالواجب علينا أنْ ندرأ الفتنة عن أنفسنا وعن أمتنا بالأسباب الشرعية، فإن انتظرنا الفتنة وجلسنا مكتوفي الأيدي فهذا يعني أنّا ما فقهنا مقصد حضرة المعصوم صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه أجمعين وسلَّم مِنْ ذكرها.

3- يجب علينا أنْ نستفيد مِنَ الأحاديث الواردة في أشراط الساعة، بمنهج علمي منضبط ، فلا نظلم أنفسنا بإهدارها، ولا نظلمها بأنْ نتعجل وقوعها، وأنْ نتعامل معها بعد التأكّد مِنْ صحتها وثبوتها بعدل، فأحاديث الساعة منها ما هو صحيح وضعيف وموضوع ويرجع في هذا الشأن إلى أهل الاختصاص في علم الحديث.

4- ما يتعلَّق بأشراط الساعة يَكثُر فيها سوء الفهم، ولِذا ينبغي التأمل الطويل في معانيها، حتى لا يتَّخذُها الناس وسيلة لقتل كلّ بِذرة للأمل، ووَأْد كلّ محاولة للإصلاح والتغيير، ويلوح لي بعض الحكم مِنْ ذكر هذه العلامات منها:

صدق الرسول صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه العدول فتَحقُقُ هذ العلامات يجب أنْ يكون مدعاة لتوثيق صلتنا بسيدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وآله وصحابته مِنْ خلال مشاهدتنا لتلك الأشراط، كما أنَّ فيها نوعا مِنَ التهيئة النفسية للشرّ القادم، فهجوم الشرّ مع توقعه يخفف وطأته على النفس, وفيها تميز الصفوف, وتبيّن الصادق من الكاذب, وفضح المنافقين, وكشف أستارهم، كذلك امتحان الخلق, واختبار صبرهم, وعبوديتهم في السرّاء والضرّاءـ وتقوية الإيمان في قلوب المؤمنين, وتثبيتهم, وتبيَّن الحق للسالكين وغيرها مِنْ الثمرات والفوائد.

5
– ليست هذه العلامات مدعاة لليأس والخمول بل هي حافز لاتخاذ أسباب اجتنابها فهي ليست أمرا قدريا في غالبها بل هي نتاج أعمال الناس وكسبهم, على أنَّني أُنبّه أنَّه ليست كلّ علامات الساعة مِنْ باب الشرّ بل فيها مِنَ الخير الكثير الذي لم يتحقق إلا في أيام الخلافة الراشدة, قال مَنْ لا ينطق عن الهوى أبو القاسم محمَّد صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:

(طوبى لعيش بعد المسيح، يؤذن للسماء في القطر، ويؤذن للأرض في النبات، حتى لو بذرت حبك على الصفا لنبت، وحتى يمر الرجل على الأسد فلا يضره، ويطأ على الحية فلا تضره، ولا تشاح، ولا تحاسد، ولا تباغض) الإمام الديلمي رحمه الحق عزَّ كماله في الفردوس.

والأمر يعود بمجمله إلى مدى اقتراب الناس وبُعدهم عن شرع الله تبارك اسمه, قال العدل الحكم تقدَّست ذاته العلية:-

{ظهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم/ 41].

ولزيادة الفائدة يُرجى مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (1151، 1490، 1587، 2063) في هذا الموقع المبارك.

وصلِّ اللهمّ على المبعوث بين يدي الساعة سيدنا مُحمَّد صاحب الوسيلة والشفاعة وعلى آله وصحبه أهل السمع والطاعة.

والله العليم تباركت ذاته أعلم.