2015/08/08

السؤال:

السلام عليكم حضرة الشيخ سعد الله عارف حفظكم الله تعالى هناك أشياء تعارفنا عليها في مساجدنا من قراءة القرآن ليلة الجمعة ونهارها قبل الأذان والصلوات الشريفة بعد الأذان وعمل مولد نبوي في ثالث أيام العزاء ولكن سبحان الله أرى الناس في المسجد عند قراءة القرآن من قارئ كذلك هم يقرؤون القرآن وحتى مرات أرى الإمام يمسك مصحف ويقرأ والقارئ لنفسه يقرأ، وأمّا من في الخارج ففي شغل شاغل وعند الصلوات وعندنا المؤذن يعيدها ثلاث مرّات أراهم يبدؤون بصلاة السنّة ويصبح المؤذن كالمشوش عليهم وأمّا مجالس التعزية فالمولد ترى فيه السكائر تدخن والناس يتكلمون والمادح مرّة يمدح حضرة سيّدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم مرّة والباقي يذكر رجال قد نفسه لا يعرفه أو يأتي ملا ويعمل ختمة للقرآن الكريم وهو أصلا لم تكن ختمة هل هناك بدائل لهذه المسائل أو تغيير بالكيفية بحيث ينال ثوابها الجميع وجزاكم الله تعالى ألف خير.

الاسم: سعد

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وحفظ الله عزّ وجّل الجميع، ووفقهم لطاعته ومراضيه.

الاجتماع على تلاوة القرآن الكريم أصل ثابت في السنّة المطهّرة لقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(— وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ —) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ اسمه.

قال الإمام النووي رحمه الباري جلّ جلاله في شرحه للحديث ما نصه:-

(— وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِفَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ—).

وجاء أيضا في المجموع للإمام النووي رحمه الله تعالى:-

(لَا كَرَاهَةَ فِي قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ مُجْتَمِعِينَ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَكَذَا الْإِدَارَةُ وَهِيَ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضُهُمْ جُزْءًا أَوْ سُورَةً مَثَلًا وَيَسْكُتَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ يَقْرَأَ السَّاكِتُونَ وَيَسْكُتَ الْقَارِئُونَ وَقَدْ ذَكَرْتُ دَلَائِلَهُ فِي التِّبْيَانِ وَلِلْقَارِئِينَ مُجْتَمِعِينَ آدَابٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا سَبَقَ فِي آدَابِ الْقَارِئِ وَحْدَهُ وَمِنْهَا أَشْيَاءُ يُتَسَاهَلُ فِيهَا فِي الْعَادَةِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاجْتِنَابِ الضَّحِكِ وَاللَّغَطِ وَالْحَدِيثِ فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ إلَّا كَلَامًا يَسِيرًا لِلضَّرُورَةِ —).

وجاء في الفتاوى الكبرى للشيخ ابن تيمية رحمه الله عزّ وجلّ ما نصّه:-

(وَقِرَاءَةُ الْإِدَارَةِ حَسَنَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ قِرَاءَةِ الْإِدَارَةِ قِرَاءَتُهُمْ مُجْتَمَعِينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ وَلِلْمَالِكِيَّةِ وَجْهَانِ فِي كَرَاهَتِهَا، وَكَرِهَهَا مَالِكٌ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ وَاحِدٍ وَالْبَاقُونَ يَتَسَمَّعُونَ لَهُ فَلَا يُكْرَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهَا: كَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ).

أمّا تخصيصه في الأوقات التي ذكرت في السؤال فهو داخل في عموم قوله سبحانه:-

{— وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج/77].

ولاشكّ أنَّ قراءة القرآن الكريم والاستماع له، سيّما في الساعة التي يتجمع بها المسلمون من البرّ والخير، ففيهم الأمّيّ الجاهل بالقراءة، فيقرأ القرآن من خلال سماعه، وتجنيب البعض بالسماع والإنصات للقرآن، عن اللغو والحديث العام الذي نراه واضحا في المساجد اليوم.

ولقد ذكر لي مَنْ أثق به أنَّ رجلا أميّا اعتاد سماع القرآن الكريم ساعة الجمعة في جامع مدينتهم، وكان يتعلّم من هذا الاستماع آية أو آيتين من كتاب الله جلّ وعلا، وذهب مرّة في يوم جمعة خارج مدينته ليصل رحمه، فصلّى في الجامع القريب منهم، ولم تكن فيه قراءة للقرآن العظيم، فلمّا انتهت الصلاة قصد الرجلُ إمامَ وخطيب الجامع فقال له: إنّك حرمتني من شرف الاستماع للقرآن الكريم والتعلّم منه، فقال له الشيخ: إنّ قراءة القرآن بهذا الشكل غير واردة، فقال له الرجل: كيف ذلك ألم يقل النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام لسيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه:-

(اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

فسكت الشيخ ول
م يستطع أنْ يتكلّم بكلمة واحدة.

وأرجو مراجعة جواب السؤالين (1372، 1575) في هذا الموقع الكريم.

ولقد كان السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وعنكم يجتمعون عند ختم القرآن الكريم ويدعون الله جلّ وعلا، وهناك دعاء مبارك عند الختمة توارثه المسلمون مستنبط من كتاب الله جلّ جلاله وعمّ نواله والسنّة الشريفة، وقد اعتادوا على طبعه في مصاحفهم على الصفحة الأخيرة، وأنا أفتي بضرورة المحافظة على هذا الدعاء والاجتماع على ختمة القرآن الكريم اقتداءً بالسلف الصالح رضي الله سبحانه عنهم وعنكم.

أمّا بالنسبة لعمل ختمة القرآن الكريم للميت فهو من قبيل إهداء الثواب له ورأي الجمهور فيه هو الجواز، إذ لا شك في جواز إهداء الأجر من صدقة أو دعاء إلى الغير وقد وردت نصوص في كتاب الله تبارك وتعالى والسنة السنية، منها قوله تعالى:-

{وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].

ومن السنّة قول سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومنْ والاه:-

(اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ) الإمام أبو داود رحمه المعبود سبحانه.

والذي يتحصل للميت من هذه القراءة هو بركة القرآن العظيم وأجر تلاوته، (ولمزيد فقه في هذه المسألة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (183، 575، 640، 1132، 1750، 2033).

واتفق أكثر علماء القراءات على استحباب التكبيرات عند ختم القرآن الكريم ابتداءً من قراءة سورة الضحى، وصيغتها (لا إله إلاّ الله، الله أكبر ولله الحمد) أو (الله أكبر) وعدها بعضهم سنة، وقد يتخلل ذلك قراءة للمنقبة النبوية الشريفة، في مدح سيّدنا رسول الله وذكر شمائله، والذي وصفته بسؤالك بعمل المولد، وكله من فعل الخير المأمور به، ولكن ينبغي أنْ يكون وفق الضوابط الشرعية بعيدا عن المخالفات وما نهى الله عزّ وجلّ عنه.

أمّا ما يتعلق بالصلاة على سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم، بعد الأذان فهي سنّة لقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ) الإمام مسلم رحمه المنعم تبارك اسمه.

وبعد هذا التأصيل، فالذي ينبغي هو توجيه المسلمين إلى ترك السلبيات والمخالفات التي قد تحدث في مثل هذه المجالس وإرشادهم إلى الإنصات والاستماع للقرآن الكريم إذا ما قُرِئ تطبيقا واستجابة لأمر الله تقدست أسماؤه القائل:-

{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف/204].

وكذا يقال في حال الصلاة على النبيّ عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام، وترك الانشغال بغيره للحديث المذكور أعلاه. وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (366، 712) والمشاركة المرقمة (166) في هذا الموقع المبارك.

وصلّى الله تعالى وسلّم على حبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين في كلّ وقت وحين.

والله تبارك اسمه أعلم.