2015/08/24

السؤال:

Khaldoon Alamery

السلام عليكم ..كنا أسرة فقيرة مكونة من ولدين وأب وأم . أغنانا الله فتوفيت الأم بنفس السنة التي فتح الله علينا الرزق. وتزوج الأب.

ولم يرزق الأب بأيّ أطفال من الزوجة الثانية. ولكنّه أغدق على زوجته الثانية بكلّ أمواله. والتي تصل في الشهر الواحد إلى 2000 $ ونحن دخلنا الشهري 300$ أنا وأخي الثاني. فهل لنا حق في أمواله وهو بحمد الله ما زال بنعمة الله على قيد الحياة. علما أنّ مصروف الوالد حفظه الله الشهري 500$

علما أننا متزوجون ولكلّ واحد منا أطفال بنين وبنات ..

أفيدونا جزاكم الله خيرا ..

الاسم: خلدون العامري

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يتغمّد جميع موتى المسلمين برحمته ويسكنهم فسيح جناته إنّه سبحانه سميع مجيب.

يقول المولى جلَ جَلالُه وعمَّ نَوالُهُ:-

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء : 23 – 25].

ومن الإحسان للوالدين أنْ تترحّم على أمّك عند تشرّفك بذكرها بعد وفاتها، فحقّها عليك كبير، والبرّ بها واجب، فعن سيّدنا مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله تعالى عنه قَالَ:- (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا أَبَرُّهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، خصالٌ أَرْبَعٌ: الدُّعَاءُ لَهُمَا، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدها، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وصِلةُ الرَّحم الَّتِي لَا رحمَ لك إلا من قِبَلِهما) الإمام أبو داود رحمه الله الغفور الودود.

وعن سيّدنا أبي هريرة رضي الله سبحانه عنه قال:-

(تُرْفَعُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ درجَتُه فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ؟ فَيُقال: ولدُك استغفَرَ لك) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا في الأدب المفرد.

أمّا بالنسبة الى سؤالك: فانَّ للأبِ مُطلقَ الحريةِ في تصرفاتهِ الماليَّة وخاصةً بعد أنْ هيّئ لكم أسباب الرعايةِ والتربيةِ وأَوْصَلَكُم إلى ما أنتم عليه والحمد لله ربّ العالمين، وفي هذه الحالة يبدأ دَوْرُكم تجاه أبيكم، وهذا ما أَوْصَى به الشرعُ الشريفُ، قال عزّ وجلّ:-

{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8].

وقال:-

{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان عليه السلام: 15].

وأرشدنا القرآن الكريم كيف نتعامل معهما وقد بلغنا الأربعين من العمر بقوله سبحانه:- {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15].

لكن بقي أمر وهو أنَّ الابناءَ مهما تطاول بهم العمرُ فهم يرجعون إلى آبائهم في احتياجاتهم فإنْ تمكَّنَ الابُ في مُساعدتهم فلا بأسَ وهو مأجورٌ، فَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-

(أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ – أَوْ قَالَ: زَوْجِكَ -، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أَنْتَ أَبْصَرُ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود.

وقال:-

(دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَ
ّقْتَ بِهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَفْضَلُهَا الدِّينَارُ الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ)
الإمام مسلم رحمه الله المنعم عزّ شأنه.

فإذا كبر الأبناء فلا يكون الوالد ملزما بالإنفاق عليهم، بل هم مَنْ ينفقون عليه لأنّهم بعد ما كبروا أصبحوا أقوى وأقدر على الكسب، وأمسى الأب ضعيفا، وهذا ما يرشدنا إليه ربّنا جلّ وعلا في قصة سيّدنا إبراهيم وسيّدنا إسماعيل عليهما السلام إذ قال:-

{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ —} [الصافات: 102].

فالولد يسعى مع أبيه.

والنَّبِيُّ الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم قال مخاطباً الابن:-

(أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ) الإمام ابن ماجة رحمه الله جلّ وعلا.

ولم يقل: أنت ومالك لابنك.

فعلينا أن نعيَ هذه المسألة ونسعى دائماً لأنْ نُسعِدَ آباءنا وأمهاتنا بأنْ نقدّمَ لهم، لا أنْ نُلُجِأهم إلى ما يكرهونه، وخاصة وهم لم يقصروا في تربيتنا خلال عقدين أو ثلاثة من الزمان.

ومن ثمّ لمَنْ يرجع المال (بعد عمرٍ طويل للوالد)؟

إلى وَرَثَتِهِ بالتأكيد (أنت وأخيك).

وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلةِ المرقمةِ (320، 550، 946، 1140، 1896، 2071) في هذا الموقع المبارك.

وبالمقابل ينبغي على الأب أنْ يتقي الله جلّ وعلا في أبنائه وإنْ كانوا كبارا، ويحرص على كسب مودتهم بحسن معاملته لهم ومراعاته لشعورهم، فزواجه بعد وفاة زوجته أم أولاده، وإغداقه للمال على زوجته الثانية وإهماله لأبنائه في ظلّ هذه الظروف العصيبة التي تعصف بالبلاد والعباد حتما سيؤدي إلى حدوث فجوات كبيرة ويترك آثارا خطيرة، يستغلها شياطين الإنس والجنّ لحصول ما لا تحمد عقباه.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على درّة صدفة الوجود، المخصوص بالشفاعة العظمى في اليوم الموعود، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه الركّع السجود.

والله تبارك اسمه أعلم.