2015/09/04
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
سيّدي حضرة الشيخ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بعد الأشواق لرؤية وجهكم الكريم أرجو الله تعالى أنْ يكرمكم بكرمه اللائق بذاته الأقدس، ويحقق مرادكم وزيادة كرماً منه ورضواناً, ويديم ألطافكم الكريمة علينا، وينفع بكم مشارق الأرض ومغاربها إنه سميع مجيب.
أودّ أنْ أسأل حضرتكم عن كيفية أداء الحج للمتمتع بشكل مختصر وميسّر؟
سائلا المولى القدير أنْ ينعم عليكم وعلى جميع المسلمين بحجّ بيته الحرام والتشرّف بزيارة سيّد الأنام عليه الصلاة والسلام إنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
الاسم: خالد محمد جاسم المشهداني
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله جلّ وعلا كلّ خير، وجعلك وجميع المسلمين ممّن يجدون إليه السير، إنّه سبحانه سميع مجيب.
1- إذا سافر الحجاج ونزلوا في المدينة المنورة صلى الله سبحانه على ساكنها الأعظم وأكملوا مراسم الزيارة النبوية وتمتعوا بأنوارها البهية، ولمعرفة آداب هذه الزيارة الميمونة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (593) في هذا الموقع المبارك.
فإنّهم سينطلقون إلى منطقة ذي الحليفة والتي تسمّى اليوم (آبار علي) فيغتسلوا ويلبسوا إحرامهم ويلبّون محرمين بالعمرة، وسُنّة ذلك أنْ يقول المعتمر:-
(لبيك اللهمّ عمرة متمتعاً بها إلى الحج فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني).
وبذلك يكون قد دخل في النُّسُك، ويَحْرُمُ عليه ما كان قبل إحرامه من الجِمَاع ودواعيه، ووضع الطيب، وقص الأظافر، وغيرها، ويبدأ بالتلبية بقوله:-
(لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريكَ لك لبّيك، إنّ الحمدَ والنعمة لك والملك لا شريكَ لك) ويستمر بالتلبية حتى دخوله البيت الحرام.
أمّا إذا كان السفر مباشرة إلى مكة المكرمة زادها الله جلّ وعلا عزاً وتشريفاً فعلى المعتمر أنْ يلبس إحرامه في المطار ويصعد الطائرة، فإذا ما وصل فوق الميقات أحرمَ بالنيّة التي ذكرنا سابقاً وعليه أنْ يتحرّى ذلك فإنّه لا يجوز له أنْ يَعبُرَ الميقات من غير إحرام.
فإذا وصلَ مكّة واستراحَ مِنْ عناء السفر توجّه قاصداً البيت الحرام مُلبياً ذاكراً لله تعالى خاشعاً خاضعاً مستحضراً عظمة البيت الحرام فإذا ما رأى البيت قال:-
(اللهمّ زِدْ هذا البيت تشريفاً وتعظيماً ومهابة وإجلالاً وتكريماً وزد يا ربّي مَنْ عظّمه ممّن زاره وحجّه مهابة وإجلالاً وتكريماً وبراً).
ويدعو الله تبارك وتعالى فإنّ الدعاء مستجاب حين يقع نظر الزائر على البيت الحرام، ثمّ يضطبع، وسنّة الاضطباع أنْ يضع رداءه تحت يده، ويُخرج كتفه الأيمن ولا يرجعه حتى يكمل الطواف.
ثمّ يأتي للطواف ويجب عليه أنْ يبدأ من الحجر الأسود، ويُسنّ له أنْ يقبّله فإنْ لم يستطع أشار إليه كما فعل سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم قائلاً:-
(بسم الله، والله أكبر) ويفعل ذلك عند بداية كلّ شوط ويدعو بما شاء أثناء الطواف ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود:-
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [سورة البقرة: ٢٠١].
فإذا أكمل الطواف سبعة أشواط توجّه إلى مقام سيّدنا إبراهيم عليه السلام أو أيّ مكان في الحرم إنْ لم يستطع ويصلّي ركعتي الطواف، ويُفضّل أنْ يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة الكافرون، وفي الثانية يقرأ سورة الإخلاص، ثمّ يشرب من ماء زمزم ويدعو الله عزّ وجلّ بما شاء.
ويتوجّه إلى المسعى المبارك للسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، وعليه أنْ يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة لأنّ الله تعالى بدأ به بقوله:-
{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: ١٥٨].
فيذهب من الصفا باتجاه المروة ساعياً فإذا وصل الميلين الأخضرين هرول بينهما فقط، وإذا وصل المروة كان ذلك شوطاً واحداً، ويرجع مرّة أخرى إلى الصفا ليكون الشوط الثاني، وهكذا حتى ينتهي به الشوط السابع في المروة.
فيحلّق أو يقصّر، والحَلْقُ أفضل، وبذلك تنتهي أعمال العمرة ويتحلّل، فيحلّ له كلّ شيء حَرُمَ عليه.
ويبقى الحاج في مكّة المكرّمة متمتعاً بالحرم المكيّ الشريف، ويحرص على الصلوات والأعمال الصالحات فهي فرصة قد لا تتكرر له مرّة أخرى.
2- إذا جاء اليوم الثامن من شهر ذي الحجة المبارك وهو يوم التروية أحرَمَ الحاجُّ من سكنه بمكة قائلاً:- (لبيك اللهم حجة).
وحينها يَحْرُمُ عليه ما حَرُمَ بإحرام العمرة كما ذكرتُ سابقاً ويبدأ بالتلبية ذاكراً لله تعالى مستحضراً عظمة مَنْ أحرم لأجله، وتحمّل عناء السفر لمرضاته، ويتوجّه إلى مِنَى للمبيت بها، وربما ذهبَ لعرفة مباشرة حسب تفويج الحجاج، ولا حرج في ذلك لأنّ المبيت بمِنَى يوم التروية سُنّة.
وفي صباح يوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة يذهب الحاجّ إلى منطقة عرفة، ولا يجوز بأيّ حال من الأحوال ترك الوقوف بها، فإنّه الركن الأعظم من أركان الحجّ، ولا حجّ بدونه، وهو في هذا اليوم فقط.
يصلّي الحجاج الظهر والعصر جمع تقديم قصراً، وتبدأ وقفة عرفة من زوال الشمس يحرص الحاج فيها على الدعاء والذكر والاستغفار والصلاة على النبيّ المختار صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين.
فإذا غربت الشمس أفاض الحجاج من عرفة وذهبوا إلى مزدلفة وصلّوا المغرب والعشاء جمع تأخير قصراً، ويبيت الحجاج في مزدلفة، ويبقى الحاجّ فيها ذاكراً لله تعالى شاكراً له على ما أنعم عليه من هذه النعمة، قال سبحانه:-
{— فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198].
ويجمع الحصى من مزدلفة لرمي الجمرات في منى فإنْ لم يستطع فيجمعها من أي مكان في منى، ويصلي الفجر فيها، ثمّ ينطلق إلى منى لرمي جمرة العقبة الكبرى بسبع حصيات.
فإنْ وصل مِنى وألقى متاعه، توجّه إلى الجمرات لرمي جمرة العقبة الكبرى، فإذا شرع بالرمي قطع التلبية وبدأ بالتكبير المشروع في أيّام العيد، ويكبّر مع كلّ حصاة، ويحرص على أنْ تمسّ الحصاة الشاخص الموجود، وإذا وقعت في الحوض فلا بأس.
بعد ذلك يذهب ليذبح الهدي ثمّ يحلق أو يقصّر، والحلق أفضل، فإنْ قدّم أحدَ هذه الأعمال على الآخر فلا حرج، فيتحلل التحلل الأوّل، وهو التحلل الأصغر، وبذلك يحلّ له كلّ شيء إلا النساء.
ثمّ يتوجه إلى البيت الحرام لأداء طواف الإفاضة وهو ركن مهم من أركان الحج، فيطوف بالبيت سبعاً، ثمّ يذهب ليسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، وبذلك يتحلل التحلل الأكبر فيحلّ له كلّ شيء، وإنْ أخّر طواف الإفاضة لعذر أو زحمة إلى اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع فلا حرج.
يعود الحاج بعدها إلى منى فيبيت فيها ليالي التشريق، ويكثر من ذكر الله جلّ جلاله في هذه الأيام المباركة استجابة لأمر الله سبحانه إذ يقول:-
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ —} [البقرة: 203].
وفي اليوم الثاني يذهب لرمي الجمرات الثلاث: الصغرى، والوسطى، والكبرى، كلّ واحدة بسبع حصيات ووقتها من بعد الزوال، وكذلك اليوم الثالث يكرّر أعمال اليوم الثاني من رمي الجمرات، ثمّ إنْ شاء ينفر من مِنَى إلى مكة، وإنْ شاء أخّر النفر إلى اليوم الرابع، قال تعالى:-
{— فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203].
وأكثر الحجاج يتعجلون النفر.
وبذلك تتمّ أعمال الحج كاملة ولا يبقى إلا طواف الوداع، وذلك حين يريد الخروج من مكّة راجعاً لبلاده، ولا يجوز له ترك هذا الطواف فإنْ تركه فعليه دم.
وختاما أوصي الحاج الكريم بضرورة مراجعة الأسئلة والأجوبة المتعلقة بالحج والعمرة والتي سيجدها على الواجهة الرئيسية للموقع ليتعرّف من خلالها على الحكم الشرعي فيما قد يطرأ عليه من أمور أثناء أداء المناسك.
اللهمّ يسّر لنا حجّ بيتك الحرام، وزيارة نبيّك عليه الصلاة والسلام، في كلّ عام، مع العفو والعافية والرضوان، والسلامة والأمن والأمان، يا رحيم يا رحمن.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّد البشر، وخير مَنْ حج واعتمر، نبيّنا محمد وعلى آله أولي السماحة والطهر، وأصحابه أهل الظفر، ومَنْ سار على نهجهم إلى المحشر.
والله تبارك اسمه أعلم.