30/09/2015

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسأل الله العظيم أنْ “يسعدكم” ويرزقكم مرتبة “الحمد” و”يعرفكم” بما يرضيه ويرفعكم..

رجلٌ عقد على زوجتهِ وطلَّقها قبل الدخول بها، والله سبحانه وتعالى قال: (… فنِصفُ ما فرضتم… الآية)..

السؤال/ هل يعطيها نصف المقدم (المعجل) أو نصف المؤخر (المؤجل) أو نصف كليهما؟ نرجو الإجابة والإيضاح، ودمتم ذخراً لنا وللمسلمين.

الاسم: أبو الحسن علي قيس

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وعلى دعواتكم الصادقة، وأساله جلّ جلاله وعمّ نواله لكم التوفيق والسداد في الأمر كله، وأن تُراجعوا السادة العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم قبل وأثناء الحوادث المتنوعة فهذا يُجنبكم الكثير مِنْ المشاكل ويفتح أمامكم هدايات مِنْ النور والبركة والرشاد؛ ثمّ هو تطبيق لأمر الباري سبحانه وتعالى القائل:-

{— فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل/من الآية43].

وإلى مثل هذا ندب الرحمة المهداة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بقوله الكريم:-

(مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ) الإمام الطبراني رحمه الله تعالى الكبير المُتعالي.

يُفهم مِنْ سؤالك الكريم أنّه قد تمّ تحديد المهر في العقد، وعند ذلك ينبغي أنْ تُمنح المطلقة نصف مجموع مهرها، أي المقدَّم والمؤخَّر، لقوله عزّ شأنه:-

{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سورة البقرة/الآية237].

والمهر في الأصل واحد، ولكن تمّ تقسيمه عُرفا إلى مُقدَّم ومُؤخَّر لتسهيل الأمور ولبعض المصالح الأخرى التي رآها الناس، واستحسنها العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

والمهر الكامل تستحقه المُطلقة في حالة الدخول مِنْ غير خلاف، كذا في حالة الخلوة، ولكن مع وجود الخلاف بين الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فذهب الجمهور إلى أنّ الخلوة تُوجب المهر كاملا، فمَنْ خلا بزوجته خلوة صحيحة، أي انفرد بها دون حضور كبير أو طفل مميز، ثم طلقها فلها المهر كاملا وعليها العِدة، ومما قاله العلماء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم:-

(وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا خَلَا بِامْرَأَتِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَهْرُهَا وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ —) المُغني للإمام ابن قدامة رحمه الله جلّ جلاله/ ج15، ص422.

وقضى بذلك السادة الخلفاء الراشدون رضي الله تبارك وتعالى عنهم فكان إجماعا، وإليك هذا النص المبارك:-

(مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ عَلَى امْرَأَتِهِ بَابًا أَوْ أَرْخَى حِجَابًا كَانَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ كَامِلًا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، وَلِأَنَّهَا أَتَتْ بِتَسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهَا بِالْعَقْدِ فَيَتَقَرَّرُ حَقُّهَا فِي الْبَدَلِ كَمَا إذَا وَطِئَهَا الزَّوْجُ) المبسوط لإمام السرخسي رحمه الله الولي/ج6،ص415.

ولا تخفى على جنابكم الكريم هدايات العفو والرحمة التي دعت إليها الآية الكريمة التي تُخاطب الطرفين ليسموا على حظوظ النفس، ولكي يترك كلّ منهما ذكرى طيبة، وبلسما يُداوي ما أصاب قلبيهما مِنْ غصّة بسبب عدم التوافق الذي أدّى إلى الفراق.

أسال الله تعالى أنْ يهدي المسلمين إلى هدايات الشريعة الغرّاء، والتشبث بسُنّة إمام الأنبياء سيّدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه الأوفياء، وسلّم تسليما كثيرا ما دامت الأرض والسماء.

والله تبارك اسمه أعلم.