2015/10/27
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته حضرة الشيخ الجليل سعد الله أحمد عارف أسعدك الله تعالى في الدنيا والآخرة، سيّدي لاشكّ أنّ للذكر القلبي تأثيرا كبيرا ولكنّي عند تتبع أقوال العلماء كالشيخ المفضال ابن تيمية رحمه الله تعالى والنووي وابن حجر الهيتمي وغيرهم رحمهم الله تعالى وجدتهم يقولون الأفضل ذكر اللسان والقلب حاضر وإذا انفردا فالأفضل ذكر القلب ولكنّي الذي لا أفهمه هو بعضهم يقول: إنّ ذكر القلب هو تنزيه الله تعالى وتقديسه وتفكر آياته وهذا هو الذي يؤجر عليه، وقسم يقولون: إن التسبيح والتحميد والتهليل في القلب دون تحري اللسان لا ثواب عليه لأنّه يشترط فيها تحريك اللسان ولكلّ أدلته فما جوابكم؟ جزاكم الله تعالى سيدي الف خير.
الاسم: سعد
الرد:
وعليكمُ السَّلامُ ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُهُ.
جزاكَ الباري عزَّ وجلَّ خيراً على دعائك، وأرجوهُ سبحانَهُ أنْ يُسعدَنا جميعاً بالإيمانِ والأمانِ ويجمعنا بأحبابنا في الدُّنيا والآخرةِ في أعالي الجنانِ بِصُحبةِ سيِّدنا النَّبي العدنانِ صلّى وسلّم عليهِ الملكُ المنّانُ وآلهِ وصحبِهِ أهل الفضل والعرفان.
دعني أبدأ جوابي بما انتهى إليهِ السؤالُ كي أفصِل بين المقصودِ منهُ وبين ما جاء في عُموم السؤال، فالتسبيحُ والتحميدُ والتهليلُ والتكبيرُ المقصود بهنّ المسنونات دُبُرَ كلِّ صلاةٍ لحديثِ سيّدنا رسول الله صلّى اللهُ تعالى وسلم عليهِ وآلهِ وصحبهِ ومَنْ والاه:-
(مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاَثًا، وَثَلاَثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) الإمامُ مسلم رحمهُ اللهُ تعالى.
وهذه لابدّ من تحريكِ اللسان وإسماعِ النّفسِ بهنّ، وغيرِ ذلك من الأذكارِ التي وردَ من فعلِ الصحابةِ رضي اللهُ تعالى عنهم أنّها لم تكن قلبيةً.
ومن هنا يجبُ التّفريقُ بين الأذكارِ التي بُنيت على الجهرِ كالّتي ذكرتُها آنفاً ومثُالها أيضاً: التّلبيةُ والتكبير في أيامِ عرفةَ والتشريقِ، وبينَ الأذكارِ التي يَصُحُّ فيها الحالان ولكن مع التفاضلِ الذي تُمليهِ الظُّروفُ، ويجبُ أيضاً أنْ نُفرّقَ بينَ الذّكرِ بأنواعهِ وبين التّفكرِ في خلقِ اللهِ جلّ وعلا وآلائهِ وحِكَمهِ والتي لا يُمكنُ أنْ تكونَ إلّا في السّرِّ ومحِلّها القلبُ والعقلُ.
فقد حثّ الخالقُ جلَّ جلالُهُ وعمّ نوالُهُ على التّفكرِ في قُدرَتِهِ وسُلطانِهِ، وهو من أعظمِ العباداتِ خاصّةً أنَّها بينَ العَبدِ وربّهِ سُبحانه الّذي قالَ:-
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ} [آل عمران عليهم السلام:190 ، 191].
وقد بيَّن اللهُ عزَّ شأنه فضل ذِكرِهِ سرَّاً وجَهراً، خالياً أو في جماعةٍ، وهذا يُفَهمُ من خِلالِ الحديثِ القُدسيِّ:-
(أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) الإمامُ البخاريُّ رحمهُ اللهُ تعالى.
ومعَ أنَّ ذِكرَ الخلوةِ أفضلُ من ذِكرِ الملأ عُموماً، ولكن في كثيرٍ منَ الأحيانِ يكونُ الأخيرُ أفضلَ خاصةً بينَ أُناسٍ غافلينَ أو فيهم تَطاوُلٌ على الدّينِ أو مُنكرينَ لهُ، مع توخّي الحِكمَةِ التي لا غنىً عنها في هذهِ المحافِلِ.
ولا مُعتَبَرَ لأيّ ذِكرٍ بكلِّ حالاتهِ ما لم يكُن صادراً عن قلبٍ حاضرٍ واعٍ، وهنا نأتي لبيتِ القصيدِ في سؤالك، أيُّهما أفضلُ إن كنتَ خالياً الذكرُ القلبيُّ أمِ الجهريّ؟
لقد بيّن الرّبُّ جَلَّ وعلا أهميةَ القلبِ الّذي هو مَحطُّ نظرهِ سُبحانَهُ، فمن ذلكَ قُولهُ عزَّ وجلَّ:-
{قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِن قلبي} [البقرة:260].
وقوله جلّت قدرته:-
{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان} [النحل: 106].
وقولُهُ تبارك اسمه:-
{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَع هواه وكان أمره فرطاً} [الكهف: 28].
وقال سّيدُنا رسولُ اللهِ صلّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ:-
(إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) مُتّفقٌ عليِهِ.
فيجبُ على المُسلِمِ أن يَعتني بقَلبِهِ ليكونَ مُراقباً لأعمالِهِ وشاهداً عليها .
ولا شكّ أنَّ للذّكرِ قوةً روحيةً تفعلُ فِعلَها في الإنسانِ حَسَبَ استعدادِهِ للتلقي، فإذا أمسَكَ لِسانُكَ عنِ الحركَةِ وبدأتَ تذُكرُ ربّكَ عزَّ وجَلَّ في قلبكَ فسيكُونُ التّأثيرُ الرُّوحيُّ مترَّكزاً في قلبك مما يزيدُ من طاقتِهِ وليكونَ (بالمواظبَةِ) قلباً ذاكراً لا يَستَوجِبَ منكَ كثيرَ جَهدٍ لتُحرّكهُ بالذّكرِ، فإذا أصبحَ كذلكَ فسيكونُ على هذهِ الحالِ في خَلواتِكَ وجَلَواتِكَ، يدُلُّكَ على الخيرِ ويُعينُكَ علِيهِ وينهاكَ عنِ المُنكرِ ويُحذّرُكَ مِنهُ ، قالَ ربَّنا تعالى شأنه:-
{وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205].
ومن هنا تبرُزُ أهمّيةُ المُرشِدِ الذي يَعلمُ كيفَ يُوصِلُ السَّالكَ إلى مَراتِبِ الذِّكرِ القَلبيِّ بعد تنقيةِ قلبِهِ من الأدرانِ والشَّواغِلِ، وأرجو مُراجعةِ جوابِ السَّؤالِ المُرَّقمِ (1448) في هذا الموقع المبارك.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّد الأولين والآخرين وإمام المتقين وقائد الغرّ المحجلين سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه المكرمين.
واللهُ سُبحانَهُ وتعالى أعلمُ.