2015/11/13

الرسالة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أدام الله عليك سيّدي الصحة والعافية وحفظك الله من كلّ شرّ حضرة شيخي المحترم.

سؤال شغلني كثيرا وعجزت عن إجابته وعجزت عن إيجاد إجابته * كيف أصل إلى مقام العبودية المطلقة؟ وأي تسبيح يوصلني لها أو عمل؟ فلم أجد إجابة إطلاقا، بحثت كثيرا ولعلي أجد الإجابة عند حضرتكم.

الاسم الكامل: محمد سامي احمد

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله عزّ وجلّ خيراً على دعائك ولك بمثله.

ليس هناك في الدّين الحنيف مقامٌ للعبودية المطلقة، فلا أحدَ يستطيع عبادة الخالق جلّ جلاله وعمّ نواله بما هو أهله سبحانه أو مكافأةً لبعضِ نِعَمهِ بل لنعمة واحدةً، ولكن على المُسلمِ أنْ يجتهدَ للوصولِ إلى ما في استطاعتِهِ من تقوى وعبادةٍ، وقد جاء في الحديثِ الشّريف عن سيّدنا جابر رضي الله تعالى عنه قال:-

(خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِي خَلِيلِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّ لِلَّهِ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى خَمْسَ مِائَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ فِي الْبَحْرِ عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا فِي ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَالْبَحْرُ مُحِيطٌ بِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَأَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَيْنًا عَذْبَةً بِعَرْضِ الْأُصْبَعِ تَبَضُّ بِمَاءٍ عَذْبٍ فَتَسْتَنْقِعُ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ وَشَجَرَةَ رُمَّانٍ تُخْرِجُ لَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً فَتُغَذِّيهِ يَوْمَهُ، فَإِذَا أَمْسَى نَزَلَ فَأَصَابَ مِنَ الْوضُوءِ وَأَخَذَ تِلْكَ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا ثُمَّ قَامَ لِصَلَاتِهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ وَقْتِ الْأَجَلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِدًا وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ وَلَا لِشَيْءٍ يُفْسِدُهُ عَلَيْهِ سَبِيلًا حَتَّى بَعَثَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ قَالَ: فَفَعَلَ فَنَحْنُ نَمُرُّ عَلَيْهِ إِذَا هَبَطْنَا وَإِذَا عَرَجْنَا فَنَجِدُ لَهُ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي، فَيَقُولُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، بَلْ بِعَمَلِي، فَيَقُولُ الرَّبُّ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ: قَايِسُوا عَبْدِي بِنِعْمَتِي عَلَيْهِ وَبِعَمَلِهِ فَتُوجَدُ نِعْمَةُ الْبَصَرِ قَدْ أَحَاطَتْ بِعِبَادَةِ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ وَبَقِيَتْ نِعْمَةُ الْجَسَدِ فَضْلًا عَلَيْهِ فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي النَّارَ قَالَ: فَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ فَيُنَادِي: رَبِّ بِرَحْمَتِكَ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رُدُّوهُ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي، مَنْ خَلَقَكَ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِكَ أَوْ بِرَحْمَتِي؟ فَيَقُولُ: بَلْ بِرَحْمَتِكَ. فَيَقُولُ: مَنْ قَوَّاكَ لِعِبَادَةِ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْزَلَكَ فِي جَبَلٍ وَسَطَ اللُّجَّةِ وَأَخْرَجَ لَكَ الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنَ الْمَاءِ الْمَالِحِ وَأَخْرَجَ لَكَ كُلَّ لَيْلَةٍ رُمَّانَةً وَإِنَّمَا تَخْرُجُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أَقْبِضَكَ سَاجِدًا فَفَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَذَلِكَ بِرَحْمَتِي وَبِرَحْمَتِي أُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ فَنِعْمَ الْعَبْدُ كُنْتَ يَا عَبْدِي فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّمَا الْأَشْيَاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَا مُحَمَّدُ) الإمام الحاكم رحمه الله تعالى.

فنحن كلنا مُقصّرونَ تجاه جنابهِ الكريمِ وليست لدينا سوى رحمتهِ ولطفهِ تباركَ وتعالى يُعيننا في ذلك الاجتهاد في الطّاعاتِ وعبادتهِ سبحانهُ على الوجه الّذي نستطيع، قاصدينَ الوصولِ إلى درجةِ الإحسانِ التّي ذكرها سيّدُنا رسولُ اللهِ صلّى اللهّ تعالى وسلّم عليهِ وآلهِ وصحبه ومَنْ والاه في حديثِ سيّدنا جبريل عليهِ السلام حين سأله:-

(— فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ —) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّت قدرته.

وليس الوصولُ إلى هذهِ الرتبةِ بتسبيحٍ معيّنٍ أو عملٍ لوحدهِ، بل هو مُحصّلةُ ما يجتهدُ بهِ المُسلمُ من طاعاتٍ وعباداتٍ وذكرٍ مع حضورِ القلبِ وصفائهِ، وليس لك مُعينٌ بعد الله عزّ وجلّ سوى مرشدٍ حقيقي موصول اليد بحضرة خاتم النبيين عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم والآل والصحب أجمعين، فهو من يستطيع تزكية قلبك من الشوائب ويحدو بها في طريق الله عزّ شأنه ولكن بقوة همتك وإخلاص عزيمتك، فعن سيدنا ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال:-

(كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: سَلْ، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ جلاله.

فالسالك عليه الاجتهاد في المسير محاولاً جعل كلّ حركته في الحياة موافقة للشرع الشريف مبتغياً فيها الأجر،  فالمباحات كالطعام مثلاً  تنقلبُ إلى عباداتٍ إذا نويت بها حِفظَ الجسمِ والتّقوّي على طاعةِ الله سبحانه مُستذكراً نِعمهُ شاكراً لهُ في المبتدأ والمنتهى .

وأسأله جلّ في علاه أنْ يأخذ بيدي ويدك وجميعِ المُسلمين فيسلك بهِم طريقِ النّورِ والوصولِ إليهِ عزّ وجلَّ إنّه سبحانه نعم الولي ونعم النصير.

وصلّى اللهُ تعالى وسلّم على سيّدنا مُحمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.

والله جلّ وعلا أعلم.