2015/12/08 السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رضي الله عنكم سيّدي وسدد ربي خطاكم وغفر وعفا ويسّر لنا بجاه أنفاسكم وقربكم إلى مولاكم. وسؤالي بعد الأذن من حضرتكم هو: إني يا شيخي أحب أنْ أجمع الناس على الطعام ممّن أعرفهم أبتغي من هذا دوام المحبة والألفة وما شابه ذلك حتى وإنْ لم يكونوا فقراء فسيّدي أرتاح نفسيا وأشعر ببركة الله لي في المال والصحة والحفظ من الله والأجر فهل هذا سيّدي سآجر عليه وأنّ الله تعالى يعوضني خيرا وكأنّي أرى أنّ الله سبحانه وتعالى جبلني عليها لحكمة فيما بعد هو أعلم بها. الاسم: محمد الرد: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته. أسأل الله جلّ وعلا أنْ يحفظكم ويغفر ذنوبنا جميعاً ويفتح علينا فتوح العارفين بمنّه وفضلهِ إنّه سبحانه سميع مجيب. قال ربُّنا الرَّحيم الرَّحمن:- {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} [الذاريات: 26 – 27]. إنّ إكرام الضيف يمثّل سمة بارزة للسمو الأخلاقي الذي تدعو إليه تعاليم الشريعة الغرّاء، والتخلق بها يعدّ مظهرا من مظاهر تمام الإيمان وكماله، ويكفينا دلالة على ذلك قول سيِّدِنا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعَالى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وآلهِ وصَحبهِ وَمَنْ وَالاه:- (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه. على أن لا يكون من مقاصد هذا الكرم، الرياء والسمعة والمفاخرة بها، ويظهر ذلك بالتكلّف المبالغ فيه لكي يتكلم الناس ويتحدثوا، قال نبيّنا الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:- (شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ) الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله عزّ وجلّ. إلا أنَّ الإمام البخاري رحمه الله سبحانه أوقفه على سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ولفظه:- (شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الفُقَرَاءُ). قال بعض أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم:- المقصود بالوليمة في هذا الحديث الشريف هي وليمة العرس خاصة، وليست كلّ طعام دعي إليه أحد من الناس، لكن قد يُقاس على وليمة العرس في هذا: الولائم العامة التي يكون سببها من أسباب السرور كالعقيقة أو رجوع مسافر، أو إتمام حفظ القرآن الكريم …. أو نحو ذلك . أمّا الولائم الخاصة كالتي يصنعها المسلم ليدعو إليها صديقا له، أو قريبا، أو خاصا من الناس: فلا حرج عليه أنْ تكون خاصة بمَنْ صنعها من أجله. وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين يدعون النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام للطعام ويجيب دعوتهم. غير أنه ينبغي في هذه الحالة أنْ لا يكون قد صنعها لفلان من أجل غناه، بل من أجل قرابته له، أو صلته به، ونحو ذلك من المقاصد الحسنة التي يثاب عليها المسلم. وقد وعى المؤمنون في الصدر الأول ذلك جيدا، وفهموا المراد منه، فصار للضيافة شأن عظيم في حياتهم، فلا عجب أنْ تنقل لنا كتب السير في هذا المضمار من الأمثلة أروعها، ومن المواقف أسماها، يأتي في مقدمتها ما رواه الإمام مسلم رحمه الله جلّ في علاه عن سيّدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إذ قال:- (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللهُ؟، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِ السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ، فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ). إنّ هذا الموقف العظيم، وهذا التفاني في إسداء الكرم للضيف، لثمرة من ثمار إيمانهم العميق بثواب الله وأجره. ومن الأمور التي تكون سبباً في زيادة الألفة والمحبة بين المسلمين والتي تكون لمرضاة الباري جلَّ جلاله مع وجود النيّة الخالصة: إقامة مثل هذه الولائم بين الناس. أسأل الله الرحيم ال
رحمن أنْ يرزقك سلامة النيّة، وأنْ يكتبها لك في ميزان حسناتك. وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2124) من هذا الموقع المبارك. وصلِّ اللّهُمَّ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلهِ وصحبه وسلّم صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا ربَّ العالمين. واللهُ عزّ شأنه أعلم.