2015/12/09

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نسأل الله أن يديم عليكم نعمة الصحة والعافية وأن ينفعنا بعلومكم وجهودكم في خدمة الإسلام والمسلمين.

السؤال: ما حكم ذكر الله تبارك وتعالى من غير المراقبة، كأنْ يستغفر المستغفِر من غير انتباه للذكر نفسه، ولا مراقبة الله تبارك وتعالى أثناء الاستغفار أو الذكر عموماً؟

وجزاكم الله خيرا.

الاسم: ياسر

الرد:

وعليكمُ السّلامُ ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُهُ.

وجزاك خيراً على دعواتكَ الكريمةِ ولك بمِثلها.

الغفلةُ بمعناها العام  درجاتٌ، أبرزُها اثنتانِ:

المعنى الأوّل: عدمُ الإيمانِ أو العِصيان، قال اللهُ جلّ في علاه:-

{فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 136].

والمعنى الثاني: هو الذي ذكرتَهُ في سؤالكَ وهو عدمُ حضورِ القلبِ في العباداتِ ومنها الذكرُ.

قال ربُّ العزّةِ جلّ جلاله:-

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ —} [الأنبياء -عليهم السّلام- 1-3].

وقال سيّدُنا رسولُ اللهِ صلّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلّمَ:-

(أدْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلَّ.

والحديثُ الشّريفُ وإنْ جاءَ في سياقِ الدُّعاءِ ولكنّهُ بلا شكّ يشملُ كلَّ أنواعِ الذّكرِ، وبينَ هذينِ النّوعينِ درجاتٌ لا مجالَ لتفصيلها.

مع أنّ الخُشوعَ والحُضورَ درجاتٌ، فمن النّاسِ مَنْ ينقطعُ عمّا حولهُ بحيث ليسَ لهُ أيّ شعورٍ خارجَ الصّلاةِ أو الذّكرِ ومنهم من هو دونَ ذلكَ، وهكذا.

وطبقاً لما أوردْتُهُ من النّصوصِ الشّريفةِ فإنَّ الذاكرَ غافلَ القلبِ يفوّتُ على نفسهِ فضلَ الذّكرِ وأثرَهُ في قلبهِ ومن ثَمّ أجرَ الذّاكرين، مع أنّ ذكر اللسان لا يخلو من منافع، وقد نوّه عليه سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، فعن سيّدنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-

(أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

وممّا يروى من القصص التي تحمل حِكَم الأولين رحمهم الله عزّ وجلّ:-

أنّ غلاماً قد شكا  لجدّه أنّه يقرأ القرآنَ الكريم َولا يجدُ نفعاً في قلبهِ، فأمرهُ جَدّهُ أنْ يعمدَ إلى غربالٍ كان قد تراكم عليه السّواد بسببِ استعمالهِ في نقلِ الفحمِ، فيخرج إلى النّهرِ الذي كان مجاوراً للبيتِ ليأتي منهُ بالماء! .

فذهب الغلامُ وأخذ يغرِفُ الماءَ بالغِربالِ ويأتي مُسرعاً إلى جَدّهِ فيجد ُالغربالَ خالياً وكرّر هذه العمليةَ مراتٍ عدّة، حتىّ أُسقِطَ في يدهِ، وشكا لجدّهِ أنّه لا فائدةَ من ذلكَ، فقال له جَدّهُ: انتبه إلى لونِ الغِربالِ كيف أصبح؟ فنظرَ الغُلامُ فوجدهُ قد أصبحَ نظيفاً لا أثرَ للسّواد فيه، وكان ذلكَ طبعاً بسببِ غَمسهِ بالماءِ عدّة مرّات، فقال الجدُّ لحفيدهِ: هكذا يَفعلُ القرآنُ الكريمُ بقلبكَ عندما تتشرّفُ بتلاوتِهِ وإنْ كُنتَ لا تشعرُ بأثرِ تلك التّلاوةِ.

أضف إلى ذلك أنّ الذّاكر كانت لهُ نيّةً صالحةً عند البدءِ، وأنّه كفّ نفسهُ في هذا الوقتِ عن الوقوعِ في آثامٍ أخرى، فقد قيل:-

(اشغل نفسكَ بالحقِّ قبلَ أن تشغلكَ بالباطلِ).

وعلى المُسلمِ أنْ يأخذَ بالأسبابِ كي يكونَ ذكُرهُ صافياً عن الشواغلِ حاضرَ القلبِ والعقلِ كاختيارِ المكانِ المُناسبِ للذّكرِ، وأفضلُه بيوتُ اللهِ عزّ وجلَّ، قال سبحانه:-

{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [النور: 36].

فإنْ لم يتيسّر لهُ ذلك فيختار مكاناً في البيتِ بعيداً عن الضوضاءِ واللّغوِ وأجهزةِ الاتّصال، ويحدّثُ نفسهُ أنّ في الذّكرِ فوائ
دَ كبيرةً لا يمكن تضييعُها بالغفلةِ، فالعملُ هُوَ هُوَ لا يتحوّلُ إلى نافعٍ إلّا بمجاهدةِ النّفسِ وإبعادِها عن الوساوسِ، وأرجو مراجعةَ جوابَي السُّؤالَين المُرقّمين (1412، 2196) في هذا الموقعِ المباركِ.

وصلى اللهُ سبحانهُ على نبيّنا المكرّم وعلى آلهِ وصحبهِ وسلّم.

واللهُ عزّ شأنه أعلم.